خاص- عنزة ولو طارت!

خاص- تناول عدد من الخبراء والاعلاميين تعديل قانون سرية المصارف ، متطرقين بصورة خاصة إلى موضوع “تكريس احتكار لهيئة التحقيق الخاصة لصلاحية رفع السرية المصرفية”، ليخلص إلى أن مشروع قانون السرية المصرفية “أفرغ من مضمونه”.

وقد تضمن المقال من المغالطات ما يخرجه عن نطاق النقاش العلمي، ويصنفه ضمن إطار “عنزة ولو طارت”.
ومن أجل وضع الأمور في نصابها السليم، ولمن يرغب في معرفة ما جاء به التعديل الذي اقرته لجنة المال والموازنة على مشروع القانون، نشير إلى الحقائق التالية:

1- إن صلاحية هيئة التحقيق الخاصة في طلب رفع السرية المصرفية (لا رفع السرية لأن من يرفع السرية هو من يملك السر المصرفي، أي المصارف) مكرس بموجب القانون رقم 44/2015 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب). والتعديل الذي أجرته لجنة المال والموازنة على مشروع قانون تعديل قانون سرية المصارف لم يوسع صلاحية الهيئة، لا بل حصر حقها بطلب رفع السرية المصرفية بما ينص عليه القانون رقم 44/2015 دون سواه.

2- أعطى التعديل صلاحية طلب رفع السرية المصرفية لكل من:

– القضاء المختص في دعاوى التحقيق في جرائم الفساد والجرائم المنصوص عليها في المادة 19 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والجرائم المحددة في المادة الأولى من القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، ودعاوى الإثراء غير المشروع المقامة استناداً إلى القانون رقم 189 تاريخ 16 تشرين الأول 2020 (قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع).
ومعلوم أن عبارة “القضاء المختص” تشمل النيابات العامة صاحبة الحق بالادعاء لكي يتحرك قضاة التحقيق ويمارسوا صلاحياتهم. فلا دعاوى تحقيق دون ادعاء من قبل النيابة العامة.

– الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وفقاً لأحكام القانون رقم 175 تاريخ 8 أيار 2020 (قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد)، ولاسيما المادة الرابعة منه، والمادة الثالثة عشرة من القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020 (قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع).

– الإدارة الضريبية بهدف مكافحة التهرب الضريبي وذلك وفقاً لأحكام القانون رقم 44 تاريخ 11 تشرين الثاني 2008 وتعديلاته (قانون الإجراءات الضريبية).

– كل من: مصرف لبنان المنشأ بموجب القانون المنفذ بالمرسوم رقم 13513 تاريخ 1/8/1963 وتعديلاته (قانون النقد والتسليف)، ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع المنشأتين بموجب القانون رقم 28/67 تاريخ 9/5/1967 وتعديلاته (تعديل وإكمال التشريع المتعلق بالمصارف وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية)، وذلك بهدف إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
أما بعد إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو حتى بموجب قانون إعادة الهيكلة، فيمكن إعادة النظر بهذه الصلاحيات ونطاقها.
تجدر الإشارة إلى أن صلاحية كل من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف بطلب المعلومات المحمية بالسرية المصرفية مكرسة بموجب المادة 150 من قانون النقد والتسليف في ما خص الحسابات المدينة.

الأمر الذي يدحض ما ورد في مقال المحامي صاغية عن “تكريس احتكار هيئة التحقيق الخاصة لصلاحية رفع السرية المصرفية”.

3- يتبين من مقارنة قانون سرية المصارف بصيغته الأساسية، والصيغة المعدلة لهذا القانون:

1- كان رفع السرية المصرفية يقتصر على حالة الإثراء غير المشروع (أي حالة الموظف العمومي والقائم بالخدمة العامة)، إلا أن هذه السرية لم ترفع ولو مرة واحدة منذ صدور القانون، فجاء التعديل:
– ليضيف فئات أخرى غير الموظف العمومي والقائم بالخدمة العامة: كرؤساء الجمعيات السياسية من جهة وأصحاب وسائل الإعلام المرئي والمسموع من جهة ثانية، ومرتكبي جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من جهة ثالثة،

– وليضيف قضايا أخرى غير الإثراء غير المشروع: كالفساد في القطاع العام من جهة، وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب من جهة ثانية، والتهرب الضريبي من جهة ثالثة.

2- وكانت العقوبات على مخالفة قانون سرية المصارف تقتصر على العاملين لدى المصارف في حال أفشوا المعلومات المتعلقة بالزبائن، فاصبحت تطال أيضاُ المؤسسات المصرفية في حال الامتناع عن تقديم المعلومات المطلوبة من قبل المراجع المعنية، أو التأخر في تقديمها.

5- وكانت المراجع التي يحق لها طلب المعلومات تقتصر على القضاء المختص بالتحقيق في جرائم الإثراء غير المشروع، فجرى توسيع نطاق حق القضاء ليشمل أيضاً بعض الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، كما أعطي هذا الحق أيضاً لكل من هيئة التحقيق الخاصة في ما يتعلق بجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في ما يتعلق بجرائم الفساد، وللإدارة الضريبية في ما يتعلق بالامتثال الضريبي والحد من التهرب، ولكل من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع بهدف إعادة هيكلة القطاع المصرفي كما سبقت الإشارة بالتفصيل في البند (2) أعلاه.

8- وكان القانون يسمح بفتح حسابات مصرفية مرقمة وبتأجير خزائن حديدية لأشخاص لا يعلم سوى مدراء المصارف بأسمائهم، فألغي هذا الحق، وأصبح فتح الحسابات وتأجير الخزائن الحديدية خاضعاً لجميع الإجراءات والأصول العادية المتعلقة بفتح الحسابات المصرفية وتأجير الخزائن الحديدية.

26- كما تضمن التعديل أربعة أمور جوهرية:

– تعريفاً مفصلاً ودقيقاً للموظف العمومي وللقائم بالخدمة العامة، حتى ولو لم يكن الموظف يتقاضى أجراً لقاء عمله،

– عدم إفادة رؤساء الجمعيات السياسية وأصحاب وسائل الإعلام المرئي والمسموع من السرية المصرفية،

– استمرار خضوع كل من الموظف العمومي والقائم بالخدمة العامة للقانون لمدة خمس سنوات إضافية بعد انتهاء عمله أو خدمته،

– إعطاء القانون مفعولاً رجعياً يعود إلى 22 تشرين الثاني 1989 في ما خص كل من الموظف العمومي والقائم بالخدمة العامة.

وشتان ما بين قانون سرية المصارف بصيغته الأساسية وما أصبج عليه بنتيجة التعديل، مما يدحض مقولة “إفراغ القانون من مضمونه”.

You might also like