متفقون على الرئاسة مختلفون على الرئيس- حبيب البستاني

حبيب البستاني*

مع دخول البلاد في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية تزداد الحملات من كل حدب وصوب إن على موقع الرئاسة أو على “الرئيس القوي”، ويزداد معها منسوب الحقد والكراهية في الخطابات التي يتقنها صبية الميليشيات وأيتامها على حد سواء. كل ذلك يجري بالتكافل والتضامن مع حملة تفريغ الدولة من مؤسساتها وهيبة القانون، فلا استعجال ممن المفروض به التأليف وحامل لواء التكليف في وضع حكومة كاملة المواصفات، تقوم بكل ما يلزم لوضع الحلول موضع التنفيذ، وتخفيف وطأة الأزمة على المواطن القابع لا حول ولا قوة له بين مطرقة الدولار وسندان الأسعار. وكأنما هموم الناس في مكان وهموم بعض السياسيين في مكان آخر، والأنكى أن هؤلاء السياسيين باتوا يمارسون الضغوط السياسية متخذين من وجع اللبنانيين أداة لإمرار فترة الشغور أو الفراغ، لا فرق، بغية استلام صلاحيات الرئاسة بحكومة تصريف أعمال منقوصة الصلاحيات لا تتحمل أية مسؤولية بحكم عدم نيلها ثقة المجلس الجديد. حتى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال وبعد جهد جهيد راح “يفسر الماءَ بالماءِ” مدعياً أن الفراغ هو غير الشغور، رحم الله سيبويه وحمى لغة الضاد من مستشاري آخر زمن.
وهكذا وبسحر ساحر بات البعض من سياسيين ورجال دين يعلنون صراحة سقوط نظرية الرئيس القوي، ويعلنون ضرورة وجود رئيس يتمتع بمواصفات المياه الصافية أي لا لون له ولا طعم ولا رائحة. وهذا ليس مستغرباً من الذين اتخذوا من الطائف السعيد الذكر آداة لإضعاف الرئيس وموقع الرئاسة، من طريق مصادرة صلاحياته وجعله أشبه برئيس فخري للبلاد كما في الديمقراطيات الملكية، يستمد قوته وكما في عهد الوصاية من قوة المحتل الذي كان هو لا الرئيس، الحاكم الفعلي للبلاد والذي أنيط به ضبط إيقاع “الطائف”، هذا الدستور الذي أثبتت الأيام وبعد خروج السوري من لبنان أنه عاجز عن إعطاء صفة الاستقرار للحكم وللدولة سمة الهيبة.
لم يصدق عرابو الطائف من محليين وإقليميين، ان رئيساً قوياً مثل العماد عون يستطيع تبوؤ منصب الرئاسة، فيعيد الهيبة للموقع الأول في الجمهورية ويفرض إيقاعه على الحكم وذلك بالرغم من صلاحياته المحدودة، وهم جربوا في العام 2016 الحؤول دون وصوله للرئاسة، فتكتل ضده آنذاك الثلاثي بري وجنبلاط والمر محاولين إمرار سليمان فرنجيه كرئيس موعود.
لقد كان وصول الرئيس عون إلى بعبدا حدثاً أكبر من أن يصدق، وقد استطاع طيلة سني عهده من تحقيق ما عجز عن تحقيقه معظم الرؤساء، وبالرغم من معارضة ومجابهة الخصوم وتكتلهم ضده استطاع من وضع قانون عصري للانتخابات سمح لكل القوى بالتمثيل الصحيح لا سيما منها قوى التغيير، وكذلك استطاع من وضع موضع التنفيذ، التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وكافة الوزارات والذي ستبدأ بشائره بالظهور قبل مغادرة الرئيس قصر بعبدا، كذلك كان لافتاً دحر الإرهاب وإبعاده عن الحدود اللبنانية في اول عهد الرئيس عون.
هذا ولعل الإنجاز الأكبر الذي سيتحقق في القريب العاجل فهو إنجاز الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية جنوباً بين لبنان والعدو الاسرائيلي، الذي سيكفل للبنان حقه في استخراج ثرواته الغازية والنفطية والسيطرة على كامل حدوده في البحر والبر. وقد شكل هذا الإنجاز الحدث الابرز وذلك بعد أن استلمه الرئيس عون بعد ان كان ملفاً نائماً في ادراج مفاوضات دامت سنوات وسنوات، وهذا الإنجاز الوشيك هو وكما يقال “القشة التي قصمت ظهر البعير”، إذ أن هنالك أكثر من طرف يريد إفشال الاتفاق أو على اقل تعديل تأخيره كي لا يعد إنجازاً للعهد، سيضع لبنان في مصاف البلدان الغنية المصدرة للنفط والغاز.
فالذي لا يريد “الرئيس القوي” هو نفسه الذي دعم اتفاق الطائف، والذي لا يريد للبنان رئيساً يحكم بل رئيساً يتحكم به سياسيو الطائف وداعميه من سياسيين ورجال دين.
إن المطلوب اليوم قبل الغد هو تشكيل حكومة كاملة المواصفات ومكتملة الصلاحيات، تهيئة لانتخاب رئيس جديد يتمتع بالقوة والصلابة والحكمة، له حيثيته الطائفية والوطنية في آن معاً، ويتمتع بكتلة برلمانية تمده بالقوة والدعم ليمارس دوره كحاكم وحكم.
كاتب سياسي*

You might also like