لبنان وصندوق النقد: الاتكال على نية المسؤولين (كريستوف أبي خليل)

صندوق النقد، الباب الأول الذي تطرقه الكثير من الدول عند انهيارها.

ومن بين هذه الدول لبنان، الذي لم يفكّر للحظة خارج الصندوق ولم يحاول النهوض من خلال وصفة محلية خاصة رغم وفرة الحلول وكثرتها، لكنه لجأ دون التفكير مرتين إلى الوصفة العامة الجاهزة والسهلة على أصحاب الثروات والمدمرة لأصحاب الطبقتين الوسطة والفقيرة، فوصفة الصندوق تأتي على النحو التالي: خفض قيمة العملة الوطنية بتعويم جزئي أو كلّي، زيادة الضرائب والرسوم، ترشيد انفاق الحكومة، إلغاء دعم الحكومة عن السلع والخدمات والمحروقات، التقشف، بيع أملاك الدولة وشركاتها، تخفيض العمالة في القطاع العام.

على الرغم من الوصفة الواحدة المطروحة من الصندوق التي قد تصلح لبلدٍ ولا تصلح لآخر ويمكن أن تترك البلد أكثر فقراً مما كان عليه مع مديونية أكثر، هناك دول نجحت معه، وسبب هذا النجاح ليس وصفة الصندوق، بل الإدارة ونيتها في الإصلاح والنهوض وتحملها مسؤولياتها من محاسبة المسببين بالإنهيار وحماية المواطنين من وطأة الأزمة والتوفير لهم الصحة والتعليم وفرص العمل، ومن النماذج الناجحة نذكر أيسلند التي سددت كامل ديونها للصندوق سنة ٢٠١٥.

أيسلند البلد الذي انهار سنة ٢٠٠٨ مع الاقتصاد العالمي، لجأ إلى صندوق النقد بهدف واحد وهو النهوض، فلم تتدخل الدولة لمنع إنهيار المصارف بل تركتها تعلن إفلاسها وحاسبت المقصّرين وزجتّهم في السجون، ولم تلجأ إلى التقشف بل حافظت على مجانية الخدمات دون فرض المزيد من الضرائب كل ذلك ترافق مع زيادة في الصادرات، مكافحة البطالة، وإصلاحات جذرية خاصةً في القطاع المصرفي الذي وضعته أمام خيارين: أو تكوّن المصارف رؤوس أموالها وتعيد الودائع أو في حالة الإخفاق، تغلق ويزجّ المسؤولين في السجن.
وهكذا نجحت أيسلند بالنهوض أولاً، تخفيض دينها العام من ١٠٠٠% إلى ٩٨% فقط في أربع سنوات ثانياً، وتسديد قرض صندوق النقد الدولي قبل الأوان دون المس بودائع المودعين ثالثاً.

أما في لبنان، وبعد الفشل في إدارة الأزمة ووقف الإنهيار، يأتي نَصرُ الطبقة الحاكمة المتجسّد بالمفاوضات مع الصندوق التي يقودها بشكلٍ غير مباشر مصرف لبنان والمصارف لحماية وتعويم أنفسهم على حساب الشعب آملين أخذ ثقة صندوق النقد لأخذ ثقة الجميع دولياً، فقاموا بتخفيف الخسائر، تدخلوا لمنع إفلاس المصارف وعوّموها، بددوا الأموال العامة لإنقاذها، وحمّلوا المودعين ثمن إخفاقاتهم. زيادة عن ذلك، حرروا سعر الصرف بطريقة عبثية، رفعوا الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية وخفّضوا استيرادها عشوائياً، رفعوا نسبة الضرائب وكانت حلولهم المؤقتة تقضي بطبع المزيد من الليرات لتوزيع المساعدات فتدهور سعر الصرف وارتفعت نسبة الفقر.

إن معظم الدول التي تعاملت مع الصندوق سواء نجحت في سداد ديونها أم لم تنجح تقول لك: إحذر! للصندوق سلبيات أكثر من إيجابيات، فالمزيد من الإقراض لا يحل المشكلة، ووصفة متكاملة عامة لا تحلّ أزمة بسهولة وتأتي بنهوض.
كما هناك من يشجعّك على الوصفات الخاصة والنهوض دون تدخّل الصندوق كماليزيا، فالحلول كثيرة وموجودة بوفرة كإصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته وتطوير النظام الضريبي ومكافحة الفساد ورفع الصادرات من خلال بناء اقتصاد منتج.. ولكن مهما كان الإتجاه يبقى نجاح أي وصفة معلّق على نية الإدارة والمسؤولين ورؤيتهم وأهدافهم للبلد ومواطنيه.

You might also like