لبنان وأعباء تحمل نصرة القضية الفلسطينية وحيداً! (أحمد سويد)

ينبغي على كل باحث عن أصول بناء الدولة وتأمين ديمومتها، العودة الى ما كتبه ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع في مقدمته، حيث كان يرى أن شرط قيام الحياة الاجتماعية هو قيام الدولة حيث أورد :” الدولة والملك والعمران بمثابة الصورة للمادة، وهو الشكل الحافظ لوجودها، حيث تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك احدهما عن الآخر، فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران من دون الدولة والملك متعذر لما فيه من طباع البشر من العدوان الداعي لقيام الحرب “.
من هنا نستنتج أن غياب سلطة الدولة واحتكام الناس الى طبيعتهم العدوانية سيؤدي حتما الى المنازعات والحروب، التي كانت تحدث قديماً ما بين القبائل التي لاتخضع لإطار سياسي مشترك ينظم شؤونها وبالتالي يحصر قرار الحرب بيد السلطة والتي تمثلت بالإنتقال من العصبية القبلية بعد تأسيس الدولة الى عصبة واحدة تحمل مشروعاً سياسياً يؤمن استمرارية واستقرار الدولة.

وما نشهده حالياً هو تداعيات حرب غزة التي اندلعت في مطلع شهر اكتوبر2023 بعد عملية طوفان الأقصى والتي امتدت نيرانها الى الجنوب اللبناني حيث انزلق محور المقاومة الى هذه الحرب تحت شعار وحدة الساحات. وكانت النتيجة تهجيراً لما يزيد عن 90 الف مواطن من قراهم في الجنوب واستشهاد أكثر من 300 مواطن لبناني والمئات من الجرحى، وتدميراً لآلاف الوحدات السكنية كلياً أو جزئياً، وشللاً للدورة الإقتصادية والحياتية في مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، ولكن الضحية الأكبر هي الدولة بمفهومها كسلطة يناط بها قرار السلم والحرب تحت شعار وحدة الساحات وهو النسخة المعدلة عن مصطلح (جبهة الصمود والتصدي) الذي كان رائجاً في سبعينيات وثمانينات القرن العشرين مع فارق أن جبهة الصمود والتصدي كانت تضم دولاً تناهض فكرة السلام مع الكيان الصهيوني لتتحول اليوم الى أذرع عسكرية تدين بالولاء لدول اقليمية.

أمام هذا الواقع تقف الدولة اللبنانية في موقف المتفرج العاجز عن اتخاذ أي قرار في ظل أزمة اقتصادية خانقة وجمود سياسي يتجلى بالعجز عن تسيير المؤسسات الدستورية وانتخاب رئيس للجمهورية في انتظار ما سينتج عن حرب غزة والتدفق المستمر للنازحين من سوريا مما يعرض الكيان اللبناني لخطر وجودي.
وبالتالي هل يتحمل المجتمع اللبناني بكافة أطيافه ولوحده هذه التركة الثقيلة نتيجة لتخاذل الدول العربية عن نصرة القضية الفلسطينية؟ علماً أن القضية الفلسطينية مسؤولية أبناء المجتمع الفلسطيني بالدرجة الأولى، في حين أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تقف موقف المتفرج المراقب لما يجري في قطاع غزة ولحسابات سياسية بحتة وجنّبت الضفة نيران الحرب.
أما دول الجوار الفلسطيني (الأردن – سوريا – مصر) فقامت بضبط حدودها ونأت بنفسها عن الأزمة بخلاف لبنان الذي تم زجّه في حرب لا قدرة له على تحمل تبعاتها.
من هنا كان الموقف الواضح للتيار الوطني الحر ومنذ اليوم الأول للحرب بأن ما يجري هناك ينافي كل القيم الإنسانية ومجزرة بحق الشعب الفلسطيني وينبغي وقف الحرب فوراً، وبالوقت ذاته مع ضرورة تحييد لبنان عن تداعيات ما يجري حماية للبنان (الدولة والمجتمع) وإنجاز استراتيجية دفاعية تحمي لبنان وتحفظ هيبة الدولة. إنّ هذا الموقف المتقدم يحتاج الى ملاقاة جدية وسريعة من جميع الأطراف السياسية ولا سيما من المقاومة لصون لبنان، ولتشكيل جبهة ضغط على المجتمع الدولي لدفع اسرائيل لوقف الحرب والإعتداءات في الجنوب اللبناني، ولتحييد لبنان عن نيران التسويات الكبرى.

• عضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر

You might also like