لا فرض ولا عرض

حبيب البستاني
لودريان في بيروت بتفويض من الخماسية أم بدون تفويض هذا لن يغير شيئاً لا في لب المشكلة ولا في سبل الحل، فالمبادرة الرئاسية الفرنسية لإيجاد حل لانتخابات الرئاسة والاتفاق حول إسم الرئيس بدأت منذ أمد بعيد، وإذا كان صحيحاً أن المبادرة للإتيان بفرنجية رئيساً من ضمن سلة متكاملة يصار إلى التفاهم عليها باءت بالفشل، ولكن المبادرة بحد ذاتها لم تتوقف وإن شهدت تعديلات جوهرية تم إدخالها عليها. فالموفد الفرنسي لم يزل يحظى وحتى تاريخه بقبول ورضى كل الأفرقاء وذلك بغض النظر عن مضمون المبادرة. لقد تكون اقتناع لدى كل اللبنانيين أن معضلة انتخاب الرئيس باتت بحاجة إلى حل خارجي أو مساعدة خارجية، وأقله كلمة سر خارجية يلتزم بها العدد الأكبر من النواب الذين يرتبطون بعلاقات مميزة مع هذه القوة الخارجية أوتلك.
مبادرة جيدة بالشكل فارغة بالمضمون
مع الاقتناع أن المبادرة الفرنسية لا بد لها من الاستمرار وذلك ليست لكونها جيدة إنما لكونها الأكثر جدية والأكثر موضوعية، وهذه المبادرة تكيفت مع المستجدات والمواقف السياسية لمختلف الأطراف وهي قد أخذت بعين الاعتبار مواقف الأفرقاء الرافضين لمضمونها، واقد أعيد صياغة المبادرة وبلورتها لجعلها متغيرة وأكثر حركية بعدما كانت مبادرة جامدة غير قابلة لإدخال التعديلات عليها وكأنها منزلة، لا تتماشى إلا مع اتفاق الطائف الذي لا مجال للبحث فيه ومناقشته وذلك تحت أي ظرف من الظروف، وذلك برغم الفشل الذريع الذي نتج عنه وبالأحرى نتج من عدم تطبيقه، كما يحلو للبعض أن يقول.
الخماسية حلت مكان الثنائية
إن أي اتفاق جديد أو حل جديد بحاجة لراعٍ أو رعاة لا فرق، فاتفاق الطائف كان وليدة اتفاق ما عرف بال “س س” أي السعودية وسوريا وبمباركة أميركية، وقد أوكلت مهام تنفيذه إلى الجانب السوري الذي كان ساهراً على التطبيق كونه يملك ذراعاً عسكرية موجودة على الأراضي اللبنانية، وبالتالي فإن كلمته كانت مسموعة وكانت العصا تستعمل لمن عصى.
المبادرة خلت من تهديد العقوبات
أما اليوم فالأمور قد تبدلت وحتى العقوبات فإنها لم تعد تخيف أحداً كونها لم تستعمل إلا في المكان الخطأ. ولكثرة التهديد بالعقوبات فإنها أضحت كقصة الراعي الذي كان يصرخ بوجود الذئب في الوقت الذي لم يكن فيه لا ذئب ولا من يحزنون، وعندما أتى الذئب الحقيقي الذي افترس الغنم فإن أحداً لم يستجب لصراخ الاستغاثة. ربما فهم الفرنسيون أن اللبنانيين لا يمشون بالتهديد والوعيد، وبالتالي كان لا بد من استعمال قوة إقناع أقوى مأخوذة من بنات أفكار اللبنانيين انفسهم. فاخترع الفرنسيون “البارود” الذي يقول بوجوب اعتماد الحوار بين اللبنانيين سبيلاً وحيداً لإنتاج رئيس. فاللبناني الذي يؤمن بالصناعة اللبنانية ويؤمن بمقولة “زوان بلادك ولا قمح الصليبي” يريد أن يكون مشاركاً بالحل إن لم يكن صانعاً له، وهكذا كان. فلودريان استمع جيداً لمختلف الأطراف وهو لم يفرض ولم يعرض بل اكتفى بتحديد موعد نهائي لانتخاب الرئيس وهو شهر ايلول. وقد استطاع الموفد الرئاسي الفرنسي من الحصول على موافقة كل الأطراف على البدء بحوار ضمن إطار زمني محدد ينتهي في أيلول، فإذا توافق اللبنانيون كان خيراً وإلا الذهاب إلى جلسات متتالية لانتخاب رئيس.
من هنا فإن لودريان سيذهب بعد ايام لتبدأ بعده حركة اللبنانيين والموفدين وذلك للاتفاق على رئيس، يكون فاتحة خير للدخول في حل كل المواضيع الشائكة.

You might also like