حبيب البستاني-
ما شهده لبنان من توترات على حدوده الجنوبية لا يبشر بالخير، وهو وإن كان من صنع الغريب “حماس” وسكوت القريب، فإنه من غير المسموح به أن يعود الجنوب اللبناني بؤرة توتر ويصبح ساحة لإرسال الرسائل وفي كل اتجاه، ويصبح معها منصة للقيام بعمليات الرد تارة والهجوم لا سمح الله طوراً وذلك كنتيجة لما يحصل داخل فلسطين المحتلة، من تعديات على المسجد الأقصى وغارات على المدنيين في غزة. فلبنان وكما حال كل الجبهات العربية يعيش حالة من الهدؤ الشامل وذلك منذ العام 2000 تاريخ تحرير الجنوب اللبناني. فهل ما جرى هو تغيير لقواعد الاشتباك التي وضعت بعد عدوان تموز 2006 والتي جاءت نتيجة القرار 1701 الذي قسم الجنوب اللبناني إلى ما قبل الليطاني وما بعد الليطاني؟، حيث وضعت مناطق ما بعد الليطاني تحت إمرة الجيش وقوات حفظ السلام الدولية والتي تمنع بذات الوقت الاعتداءات على لبنان براً وبحراً وجواً.
ويبدو واضحاً أن لبنان لا يمكنه أن يتحمل نتائج تغيير القواعد إذ إن ذلك سيؤدي إلى معاودة الاعتداءات الإسرائيلية على كل لبنان. واللافت أن كل الجبهات العربية تحركت أو حُركت بعيد اعتداءات المسجد الأقصى، ولكن هذا التحرك أو التصعيد لم يطل الحكومات في سوريا ومصر ولبنان، إنما كانت حماس هي التي عمدت إلى تحريك هذه الجبهات، حتى وإن كانت الأخيرة لم تعترف رسمياً بأنها وراء ذلك وبالتالي لم تعترف بمسؤوليتها عن إطلاق صواريخ الكاتيوشا من الجنوب اللبناني.
فاللبنانيون بغالبيتهم الساحقة لا يتحملون ولا يريدون الانجرار إلى حرب ليست حربهم وذلك أياً تكن المبررات والأسباب، وهم باتوا معنيون فقط بتحرير أرضهم وحمايتها، وحماية ثرواتهم وحدودهم في البر والبحر. فما من أحد يريد الدخول في مغامرات لا تجر على البلد سوى الويلات التي هو بغنى عنها. لقد بات جلياً أن تحرير القدس وحماية المسجد الأقصى هي عناوين كبيرة بالنسبة لبلد صغير كلبنان، لأن الدفاع عن القضية المركزية قضية فلسطين والدفاع عن المقدسات وتحريرها هي مسؤولية عربية شاملة، وبالتالي فإن فتح الجبهات العربية لا بد أن يُتخذ من قبل كل الدول العربية مجتمعة وليس من قبل فصيل واحد أو فصائل فلسطينية مهما علا شأنها وأياً تكن قوتها.
أما المقاومة التي وحتى كتابة هذه السطور لم تتبن أياً من العمليات هذه، وبالتالي فهي أعقل من أن تذهب إلى مثل هذه المهاترات والتحديات، فالمقاومة تعلم أنها تحظى بالدعم اللبناني في ظل التفاهم مع الدولة اللبنانية وليس من دونه، وبالتالي فإن هذا التنسيق لا بد وأن يأتي من ضمن استراتيجية دفاعية تعطي القرار والإمرة للدولة مع الإبقاء على القوة الرادعة للمقاومة للدفاع عن لبنان وحقوق لبنان لا أكثر ولا أقل. وبالتالي فإن أي عملية خارج هذا الإطار ستكون فاقدة دعم اللبنانيين والدولة اللبنانية.
وإذ نحن نعيش ذكرى 13 نيسان 1975 فإن أحداً من اللبنانيين لا يريد العودة إلى هذه الحقبة السوداء من تاريخ لبنان والتي أدت إلى الحرب الأهلية وسقوط أكثر من مئة ألف ضحية وآلاف الجرحى والمعوقين، عدا عن الفرز السكاني الذي أدى إلى تدمير قرى وبلدات لبنانية بكاملها وتهجير أهلها.
لا أحد يريد العودة إلى نغمة وجود أو عدم وجود “أوامر مهمة”، وبالتالي لا أحد يريد العودة إلى الانتهاكات والتعديات التي كانت ترتكبها ما يسمى بالعناصر الغير منضبطة. لذا فعلينا جميعاً التنبه لذلك، فلا أحد يمكنه القبول بعد الآن بوجود مناطق غير خاضعة للدولة اللبنانية والسلطة اللبنانية. فإذا كنا قد رفضنا بالماضي ماسمي بالفتح لاند فإن أحدا لن يقبل باستبدالها بحماس لاند وبالتالي فإن الكل لن يرضى إلا بلبنان لاند.
كاتب سياسي-


