كفى مزايدة بالعفة! (سامر الرز)

يا أعفّة، كفى مزايدة بالعفّة!
في بلد صغير كلبنان، حيث الجميع يعرف الجميع، والتّاريخ لا يرحم، لا مجال للادّعاء بالعفّة أو النّقاء بعد أن كان الأكثرية، شركاء في المنظومة أو مستفيدين من أدواتها.
 
فعندما كان النّظام قائمًا في أوج سطوته، كان إختبار المبادئ والمرجلة الحقيقيّة. لكن للأسف، اختار البعض التّواطؤ والاستفادة بدلاً من المواجهة، ليأتي اليوم ويرتدي عباءة الأخلاق، وكأنّ الماضي لا وجود له.
 
فالمواقف الشّجاعة تُسجَّل عندما يكون الثّمن كبيرًا، عندما تكون الكلمة تساوي الحريّة أو حتّى الحياة. 
 
أمّا حين تكون السّلطة ضعيفة أو منهارة، فيصبح تسجيل المواقف أمرًا سهلاً ولا يكلّف شيئًا.
 
في عزّ سطوة النّظام، كان البعض يمارسون الزّحف إلى عنجر ودمشق، يطلبون الحظوة والرّضا، في العلن وفي السّرّ. 
 
كانوا شركاء في الاستفادة من الامتيازات، وفي تثبيت مواقعهم، وفي التّآمر ضدّ أبناء وطنهم.
 
ثم بعد سقوط النّظام، تنصّلوا من الماضي وبدأوا يرفعون شعارات السّيادة والحريّة والنّزاهة.
 
الحارات ضيّقة والشّهود كثر. كلّ تحرك سياسيّ، كلّ لقاء سرّيّ، وكلّ كلمة قيلت أو موقف اتُّخذ، محفور في ذاكرة النّاس. 
 
التّاريخ اللّبناني مليء بشهادات عن كيف اختار البعض الولاء للخارج على حساب مصلحة بلدهم. 
 
هؤلاء الّذين ينكرون الماضي ويقومون بالمرواغة والتّبرير اليوم ويظهرون كالأبطال، لا يدركون أنّ الشّعب لم ينسَ.
 
فالزّحف إلى عنجر ودمشق كان مشهدًا متكرّرًا في الحقبة الماضية، حيث كان السّياسيّون، بمختلف انتماءاتهم يتسابقون للحصول على رضا النّظام السّوريّ، أحيانًا من خلال التّذلّل العلني وأحيانًا بمواقف خجولة تُسرَّب سرًّا. 
 
كانوا يتآمرون ضدّ شركائهم في الوطن ويستفيدون من دعم النّظام لإضعاف خصومهم، ثمّ يعودون اليوم ليدّعوا المقاومة والنّضال.
 
الى كلّ من يدّعي اليوم الطّهارة السّياسيّة: الصّدق مع الذّات أوّلاً هو بداية الإصلاح. 
 
لا يمكنكم بناء وطن جديد على أساس من الأكاذيب والمزايدات. الإعتراف بالماضي وتحمل المسؤولية هما المفتاح لتصحيح المسار بدل الاستمرار في لعب دور الأبرياء.
 
ختامًا، لا تحاضروا بالعفّة، فالعفة تحتاج إلى ماضٍ مشرّف ونزيه، وأنتم ماضيكم من أسوأ ما يشهد عليكم. 
بلدنا الحبيب بحاجة إلى صدق، لا إلى خطابات جوفاء لا تغني ولا تثمر ولا إلى راكبي موجات لم يكن لهم دور فيها سوى الإستفادة منها.
#يتبع

You might also like