حبيب البستاني-
أما وقد انتهت الخلوة السياسية المسيحية، وذهب النواب إلى عملية فحص الضمير، عل الروح القدس يحل عليهم ويتصاعد الدخان الأبيض من المجلس النيابي، هكذا كان يفعل الكرادلة عند تعثر انتخاب بابا جديد، فيلجأون إلى الروح القدس، فإذا كانت الكنيسة تلجأ إلى الروح القدس فإنه من الطبيعي أن نلجأ نحن الدنيوييون إليه في محاولة لاستجداء الحل. فمن الطبيعي ومع كثرة الطباخين أن نلجأ إلى ذواتنا نحن اللبنانيين، فكل من في الخارج يريد الحل والكل يريد انتخاب رئيس والكل له مواصفاته ونصائحه وفيتواته في آن معاً، والكل يقول بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم نقم بكذا وكذا. نعم نحن نريد أن نصدق أن الجميع يحبنا ويريد مصلحتنا ويتمنى لنا الخير، حتى بات بعض من في الداخل يصدق أن الخارج يفقه بمصلحتنا أكثر منا وهو يريد لنا الخير بينما نحن من لا يريده، هكذا وبكل بساطة أصبحت نظرة الخارج إلينا.
الحق على المسيحيين
والأنكى من كل ذلك أن بعض من في الداخل يقول أن الحق على المسيحيين، هكذا وبكل بساطة وكان المسيحيين هم من صلبوا المسيح، وكأنهم هم وليس غيرهم من لا يريد رئيساً مسيحياً يتمتع بكامل الصلاحيات ليتولى قيادة الدولة وأخذ البلاد إلى بر الأمان، حتى أن بعضاً منا بات يصدق ذلك، بات يصدق أن المسيحي يؤيد دولة بثلاثة رؤوس يريد وزيراً فوق العادة يقوم بتعطيل كل القرارات، يريد رئيس مجلس وزراء متهم بشتى أنواع التهم من السطو على أموال الإسكان إلى السطو على اموال الخليوي، إلى وقف حماية مزارعي البطاطا اللبنانيين خدمة للخارج، إلى حماية مافيا المصارف ومنع المحاكمة عن حاكم المركزي. ويقولون الحق على المسيحيين لأنهم لا يتفقون على رئيس للجمهورية، والسؤال المطروح، هل إذا اتفق المسيحيون على رئيس فهل يسير به كل الأفرقاء؟ وهل يسير به الخارج الذي أصبح وكما هو معلوم لكل منهم مرشح أو مشروع مرشح وهم يعملون بالخفاء والعلن لإيصاله.
لا رئيس صنع في لبنان
فإذا كان صحيحاً أن كل رؤساء الجمهوريات جاؤوا بضغط ومباركة الخارج، فإن الصحيح أيضاً أن بعضاً من الرؤساء قد أجبر الخارج على السير به بعدما تم رفض مرشح الخارج، فإذا كان المسيحيون لا يستطيعون صنع الرئيس بمفردهم فلنذهب إلى تصديق مقولة شركائنا في الوطن والسير في عملية اختيار مرشح للرئاسة أو فلنقل مرشحين للرئاسة. عندها وكما يقال بالدارج “نعرف العنزة من أم قرون” ويُكشف المستور. لقد فعل خيراً صاحب الغبطة عندما دعا النواب المسيحيين للخلوة، ولكن ماذا بعد؟ ماذا بعد الخلوة؟ والاستماع إلى توصيف المرض الذي نعرفه جميعاً، إذ إن عوارضه بدأت تدرك كل لبناني وبدأت تشل أوصال الوطن وتهدد الوحدة والكيان، وتشجع على المنحى الطائفي أكثر من أي وقت مضى.
ما بعد الخلوة
لقد بات واضحاً أنه وبالرغم من إيماننا المسيحي المتجزر فينا في أسبوع الألام، فإن انتظار حلول الروح القدس على النواب قد يطول ويطول، وبالتالي فإن المطلوب من صاحب الغبطة أن يهيء الظروف الملائمة لحلوله، فيعمل عل رسم خارطة طريق وبمساعدة الروح القدس ولما لا، فصاحب النيافة أقرب إلى السماويين منا نحن الأرضيين. وهكذا فلنضع القطار على السكة وليُصر إلى اختيار عدد من المرشحين المحتملين، الذين يتفق عليهم القادة المسيحيون في البداية، ومن ثم الذهاب بهم إلى المجلس النيابي. عندها وعندها فقط فإن اختيار المرشح الذي يتمتع بالحيثية المسيحية أولاً ومن ثم الوطنية ثانياً، يعطي للرئاسة منعتها ويحول بالتالي دون فرض الحلول الخارجية علينا. عندها وعندها فقط بإمكاننا انتظار الدخان الأبيض المتصاعد من مدخنة المجلس النيابي.
كاتب سياسي-


