في 7 آب من كل سنة تضيع كل التواريخ ولا يبقى إلا تاريخٌ واحد. في كل ذكرى سنوية ل 7 آب تتراجع الأحداث أمام محورية هذا التاريخ في السجل التاريخي لوطنٍ أُريدَ له أن يكون معقلاً للحرية بكل أبعادها الكيانية والوجودية، وعنواناً للتنوع والتعددية في منطقةٍ تضيقُ ذرعاً بهذه المفاهيم. في 7 آب 2023، يصبح اجتماع حكومة نجيب ميقاتي، واستظلالُه صرحَ الديمان غداً لمحاولة اكتسابِ شرعيةٍ سيبقى يفتقدها، باهتَين أمام قوة الذكرى بمعانيها المستقبلية، لا في الماضي فحسب… كما أن الضغوط الإقليمية، والتوترات الدولية وتوقف التسويات عند محطات التنفيذ، لا يمكنها مهما اشتدّت إلغاءَ وطن، أو شلَّ مجتمع، لا تزال فيه طليعةٌ تفكّر وتناضل وتقاوم. وهذه المعاني عكسها اليوم رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، بتأكيده أن نضال 7 آب بقى العنوان، ليكون هناك دولة في لبنان، ومع باسيل أيضاً مواقف لبعض نواب “لبنان القوي”، شددت على استلهام معاني الذكرى.
اعتقالات 7 آب 2001 بمواجهتها نظام القمع والهيمنة، كانت قمة التحول في نظامٍ فاقد الشرعية. يئسَ النظام الأمني من صلابةِ الحركة المقاومة فسعى لإسكاتها. زُج بالشباب الوطني الحر في السجون لأكثر من أسبوعين، مرورا بوزارة الدفاع، فخرجوا أكثر تفاؤلاً وثقةً، كما جميع المقاومين في كل أصقاع العالم. وحجراً بعد حجر وتظاهرة بعد تظاهرة، وخطوات سياسية معبّرة تلو الأخرى، تواصل النضال إلى أن خرج لبنان إلى الحرية في 26 نيسان 2005.
هذا التاريخ لم يكن الأول ولا الأخير في مسيرة بدأت في 13 تشرين الأول 1990، لا بل أن عمرها من عمر القضية اللبنانية التاريخية لوطن ومجتمع قرر أن يبقى كريماً عزيزاً عصياً على كل محاولات التطويع والإلغاء والحذف. فكيف يمكن أن نأتي بركام الحاضر، والأزمات التي زرعتها منظومة التسعينات في جسد الوطن الصغير، لنطمسَ بها تواريخنا المجيدة؟
في 7 آب 2023، يتجلّى أكثر معنى هذا التاريخ. ففي وقت تلملمُ منظومة التسعينات بين نجيب ميقاتي ونبيه بري ما يمكن لملمته، لا تزال المواجهة مستمرة بعناوين متغيرة، لكن بالثوابت نفسها. الدولة العادلة المتوازنة السيدة، التي تضمن الحريات والتنمية، لا تزال هدف التيار الوطني الحر، أما المنظومة وأركانها، فيواصلون مساعي الهيمنة والتسلط والنهب والفساد وتجويف الدولة. وبين محطةٍ وأخرى، يبقى النضال نفسه، والأهم، أن يتميز بالخصائص نفسها، لجهة العطاء، والتعاون، والتفكير في مصلحة المجتمع لا الأنانيات الفردية، فتبقى 7 آب 2001، منارة الأجيال اللبنانية المقبلة، ومشعلاً يهتدي به المؤمنون بلبنان السيد الحر المتفرّد…


