المسار السياسي اللبناني متميز بسرقة الجهود و”التشاطر” التقليدي عبر المزايدة، بموازاة أخطر سلوك وهو تجريم البريء وتبرئة المرتكب والمجرم.
وهذا بالضبط ما يحصل في ملف رياض سلامة والتدقيق الجنائي. ما إنْ حوّل المدعي العام التمييزي غسان عويدات إخبار وزير العدل حول تقرير “التدقيق”، حتى بدأ القضاة الذين اعتادوا التخلي عن حقوق اللبنانيين، بالتنحي والهروب، وفي طليعة هؤلاء القاضي زياد أبو حيدر الذي رفض تسلم هذا الملف وبالتالي التحقيق مع سلامة، وهو الذي اشتُهر بالتنحي عن كل ما يتعلق بملاحقة سلامة.
وبين قضاة يهربون، أو قضاة يقدمون “السيكار” لأداة المنظومة المالية ومرتكب الإختلاسات، وصمة عارٍ على هذا القضاء، وأوسمة شرف على القضاة الشجعان، الذين شكرهم علناً وبالإسم، الرئيس العماد ميشال عون قبل يومين.
في هذا الوقت، تُطرح التساؤلات عن الحدود المرسومة من قبل المنظومة وأركانها، لعمل حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، الذي تُسجّل له سلسلة من الخطوات المخالفة لأداء رياض سلامة. لكن الأيام والأسابيع المقبلة، ستجيب عما إذا كان منصوري يمتلك القدة اللازمة للذهاب عميقاً في فتح “مغارة” “المركزي والأربعين حرامي”، كشفاً للحقائق وإظهاراً لحق الشعب اللبناني في أمواله المسلوبة والمنهوبة.
وضمن إطار التدقيق الجنائي، أوجه شَبه بين كل ما قاده التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون من خطوات، منذ إطلاق “حرب التحرير” في العام 1989 وصولاً إلى قانون “محاسبة سوريا واستعادة لبنان” وسرقة إنجاز التحرير عام 2005. هروب من المواجهة في وقتها، واستغلالٌ ومزايدة من بعد تحقيق الإنجاز، الذي أساساً أراده “التيار” ووضعه في مصلحة كل الشعب اللبناني، من دون استثناء أو تفريق.
ذلك أنه ضمن سياق المزايدة هذه، بادر اليوم نواب من تكتل القوات اللبنانية إلى تقديم إخبار حول التدقيق الجنائي، في الوقت الذي كانت فيه “القوات” تطلق السهام على الرئيس عون و”التيار” والقاضية غادة عون في معاركهم مع رياض سلامة وفي سبيل إقرار “التدقيق”. وفي مطلق الأحوال وكما يقول المثل الفرنسي، الأفضل أن تأتي متأخراً من ألا تأتي أبداً، فالمهم هو مصلحة لبنان وجميع اللبنانيين، عسسى أن يحسن اللبنانيون التمييز بين المبادر وبين الذي يستلحق نفسه حفظاً لماء الوجه.


