يضجّ العالم الكبير بلبنان، البلد الصغير، منذ تأسيسه. هذا البلد الذي ذكره الكتاب المقدّس 71 مرّة، وتغنى به الأنبياء، وداس أرضه السيّد المسيح. مرّت عليه عدّة حضارات، وخيضت فيه حروب، ولقّب بسويسرا الشرق، في بحث دائم عن هويته، فإذا به يجمع أكثر من 18 طائفة في رحابه. صنّفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني إنّه رسالة، تتعانق فيه قبب الكنائس ومآذن الجوامع وتتناغم فيه التراتيل والتسابيح وصيحات ألله أكبر، وهنا تكمن أهمّيته وتتّسم فرادته.
في عصرنا الحديث، ومنذ السبعينات من القرن الماضي بالتحديد، بدأت حروب حاول فيها البعض بالقضاء على صيغة الشراكة التي تميّز لبنان، فاستعانوا بجيوش أجنبية من شماله وجنوبه، فإذا به “مصلوب بين لصّين”. وفي الثمانينات، تكوّنت جبهة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، تلاها مقاومة سياسية وعسكرية خاضها قائد، رئيس لمجلس الوزراء حينها، ضدّ الاحتلال السوري، إلا أنّ القوى الميليشياوية ذاتها استعانت بالسفارات للقضاء على هذه الحالة، فاجتمعت وأصدرت ما يُسمّى باتفاق الطائف، الذي أصبح الدستور الجديد للبلاد، كاسِرة الشراكة الحقيقية عبر ضرب صلاحيات رئيس البلاد “المسيحي” تحت غطاء بند على الورق بأنّ لبنان بلد العيش المشترك وهو وطن لجميع أبنائه.
بدأت الممارسات حينها عبر تهميش واضح للمسيحيين بسبب مواجهتهم للهيمنة السورية، على الرغم من أن هذه طالت جميع اللبنانيين بمكوناتهم. فنفي وسجن مسؤولوهم، واستمرت الحال على ما هي عليه وكبرت الهيمنة على مواقع السلطة والإدارات في الدولة. جاء تحرير الجنوب في العام 2000 وسط فرحة لبنانية جامعة، عبّر فيها الشعب عن تضامنه وتعايشه عكس ما يضمر له المستولون على السلطة حينها. ثمّ جاء الإنفجار الكبير الذي أودى برئيس الحكومة ليعود فيعبّر الشعب عن تضامنه أكثر فأكثر وتمسّكه بالعيش المشترك، وجاء التحرير الثاني عام 2005 ليجسّد وحدة الشعب، إلاّ أنّ القوى نفسها أبت أن تهدي شعبها هذا الإنجاز فانقسمت عاموديًا بين قوى 8 و14 آذار.
وفي أيار 2005، عاد الحلم إلى الوطن بعد التحرير، وعاود النضال في سبيل الشراكة الفعلية في السلطة والعيش المشترك، فكان إنجاز إتفاق تاريخي في 6 شباط 2006 طوى الحرب السابقة، لكنّ نتائجها جاءت مخالفة لتوقّعات المحرّضين، فكان أن تجذّرت الشراكة وبدأت تعطي ثمارها حتى أوصلت إلى انتخاب رئيس قوي يمثّل طائفته ويحضُن باقي الطوائف، ثم صدر قانون انتخابي ينصف تمثيل المكوّنات كافّة.
ولكن، مرّة جديدة، لم يرق للقوى الميليشياوية نفسها هذه النتائج الإيجابية، فراحت تبحث عن الوسائل لكسرها، فحرّضوا على رئيس حكومة لبنان حتّى تمّ اعتقاله في دولة يفترض أن تكون صديقة وأجبر على الاستقالة، في ظلّ دفاع مستميت من قبل رئيس أقسم اليمين على استعادة الشراكة إلى أفضل حالاتها، فتحرّك ليحرّر رئيس حكومة لبنان وللدفاع من أعلى المنابر عن حقّ لبنان بمقاومته اللبنانية. ولمّا نجح، استولدت الميليشيات، مستعينةً بسفارات الدول، ثورة مدمّرة ومأجورة، دفعت السفارات تكاليفها، ووضع المدسوسون شعاراتها، ودعمتها الميليشيات بضخّ جماعاتها في الساحات، وإقفال الطرقات، وتعطيل المؤسّسات والمصارف. فكانت ثمارها دعم اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري على حساب الشراكة، وتهريب الأموال وتدمير الاقتصاد على حساب الرخاء الاقتصادي الذي عرفه المجتمع اللبناني.
انتهى العهد وشغرت الرئاسة الأولى، وبدأت القوى التهميشية باستعادة دورها المدمّر فخرقت الدستور عبر مراسم غير شرعية، وتمديد وتعيين وإعادة قوانين وموازنات وتدابير همايونية، في ظلّ صمت مطبق لما يسمّى بالسياديين، وكأنّ المقصود تهميش جديد لفئة من اللبنانيين ومحاولة فرض رئيس عليهم بابتزازهم بأبسط حقوقهم ألا وهو الشراكة: فإمّا أن تقبلوا بمرشحنا لرئاسة الجمهورية وإما تخرجون من القرار.
أمام هذا الواقع، وحده التيار الوطني الحرّ، دقّ النفير وأعلن النضال لاستعادة الشراكة المسلوبة بممارسات رئيس للحكومة، مدعوم برئيس مجلس نواب يعتبر نفسه “الرئيس الأوحد”، فأطلق شعار المرحلة الآتية: “عَ سوا … تنبقى سوى” لأنّ، كما قال رئيسه، ” الشراكة تكون كاملة أو لا تكون”، فالشراكة الجزئية ” بلفة”، ولا مكان بعد اليوم للسكوت والخضوع والخنوع.
لطالما كان التيار الوطني الحرّ يخوض معاركه منفردًا حيث يشيطن الآخرون شعاراته حين يطلقها ثم يعودون فيعتمدونها شعارات لهم، هذا ما حصل في 14 آذار وهذا ما حصل في موضوع الإصلاح وأزمة النزوح السوري ومكافحة الفساد، وهذا ما سيحصل فعليًا في موضوع الشراكة الفعلية، وما الضير؟ أفليس سرّ لبنان في الشراكة بين أبنائه؟
كاتب سياسي


