رمزية الحضور المسيحي في مليتا: الخيوط الوطنية الرفيعة… (ميشال ن. أبو نجم)

يتقنُ حزب الله لعبة استخدام الرموز. لا بل أن الرمزية هي القاعدة الأساس الجامعة بين العقيدة الدينية والسياسة في لعبة تعبئته السياسية. من هنا، لا عجبَ إن اختار هذا الحشد الديني المكثف والمتنوع في مليتا، ليوجه رسائلَ بالغة الوضوح للمجتمع اللبناني، وفي سياقٍ من التوتر السياسي الداخلي حول كيفية “إنتاج” الرئيس المقبل. ولحزب الله حصة وازنة من الإنتقاد لموقفه من محاولة “صنعه” الرئيس خلافاً لإرادة مسيحية ساحقة.

على أنَّ هذا السياق، أمر، وأبعاد الزيارة الدينية المسيحية لمعلم مليتا في روايته جزءاً مهماً من تاريخ لبنان، أمرٌ آخر.
فبين الإنهماك اللبناني بالجدال حول رئاسة الجمهورية، وقرب الإعلان عن التوافق على مرشح يواجه فرنجية، مرّت زيارة مليتا وكأنها التفاف من “وراء الحارة” الإعلامية والسياسية، لكن ما إن رُصدت حتى انهمر عليها وابل مكثف من التحريض الفتنوي الإعلامي والسياسي. عبارات مُقذعة من نوع “الذمية” و”ميليشيا إيران” وغيرها من العبارات التي لا تصلح إلا للتفرقة، لا الحوار ولا حتى الخصومة المشروعة سياسياً.

الأمر هنا ليس متصلاً بخلاف سياسي أو إيديولوجي، مشروع وهو موجود أساساً، مع حزب الله. المشروعية في الخلاف تطال الإسترايجية الدفاعية والسلاح ودور “الحزب” عسكرياً في الإقليم. وهذه المشروعية في الإختلاف تطال- وتزداد- الشأن السياسي الداخلي، بتنوع أبعاده من بناء الدولة إلى مقاربته ملف رئاسة الجمهورية ودوره ودور القوى الأخرى ومن بينها الطيف السياسي الممثِل للمسيحيين.

الخيط الدقيق للتمييز، يُلتقط عند الوصول إلى عتبة النظرة إلى إسرائيل كعدو، ومن ثم شرعية مقاومتها، وصولاً إلى نظرة تأسيسية في سياق التكون التاريخي اللبناني، مرتبطة بمواجهة إسرائيل تحت شعار “قوة لبنان في ضعفه”، وهي نظرة سرعان ما تبين خواءها، خاصة وأنَّها قادت ليس إلى استباحة إسرائيل لبنان فحسب، بل إلى انتهاكِه من قبل المنظمات الفلسطينية منذ أواخر الستينات.
والتمييز مطلوب أيضاً إضافة إلى شرعية الخلاف السياسي مع حزب الله، في أن الرواية اللبنانية الشاملة للتاريخ وللمستقبل، تبقى ناقصة ما لم يُدعَ حزب الله، وغيره من الأحزاب “القومية” و”اليسارية”، إلى زيارات معبّرة في رمزيتها إلى غابة الشهداء في طبرية أو إلى نصب شهداء الجيش في ضهر الوحش، وما يعبّر عن استكمال رواية المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل كعدو، مع أخرى تتضمن مواجهة استباحة المنظمات الفلسطينية وسيطرة الجيش السوري، ولو كانوا “أشقاء” عرب…

رأس الخيط الدقيق هذا، يقود إلى فصل تحديد إسرائيل، واستطراداً فهم تصور شريحة وازنة في جغرافيا لبنان ومجتمعه، عن السياق الخلافي السياسي. ذلك أن منطق الترهيب لزوار مليتا المسيحيين، يتضمن في طياته نزعة إقصائية بالغة الخطورة، للآخر ومقاربته، ولا هدف لها سوى تعميق عداء عبثيّ، ومجاني. إن الإختلاف مع حزب الله، يجب ألا يُنسي من يعتبر نفسه “محايداً” تجاه إسرائيل، أن هذا الكيان عاش الجنوبيون من صور إلى بنت جبيل وطلائع البقاع الغربي، تحت وطأة تهديده ومجازره واستباحته، منذ العام 1948. لم يكن هناك لا من دولة تحميهم ولا من قدرة على “تمكينهم” في أرضهم. ومن هذا القلق، ظهرتْ طلائع المقاومة من مطالبة الإمام موسى الصدر بالملاجئ والبنية التحتية للمواجهة المدنية والعسكرية، إلى تنظيمات “الحرس الشعبي” والمجموعات الشيوعية واليسارية والقومية المتكوكبة لحماية قراها وبلداتها التي تحولت في السبعينات إلى ساحة للمواجهة أيضاً بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية. ونواة المقاومة الحزبية والفردية هذه، لا تحجب بطبيعة الحال مواجهة الجيش اللبناني بما تيسّر له من إمكانات، بما في ذلك معركة عام ١٩٧٠ البطولية بالدبابات والمدرعات في سوق الخان في مواجهة أعتى جيش في الشرق الأوسط.
وإذا وضعنا المبادئ الوطنية جانباً، فإن المصلحة اللبنانية البحت، وشعارات قوة لبنان لا يمكن أن تنطلق من هذا “الحياد” حتى في بعده غير العسكري من إسرائيل، التي تشكل بحالتها نموذجاً يسعى لسرقة قيمة لبنان المضافة في مجالاته المعروفة تاريخياً، والتي دُمِرت أساساً.

ونحن، كورثَة شرعيين للمقاومة اللبنانية، ببعدها الإيجابي، تجاه كل أنواع السيطرة وإلغاء الوجود، وانطلاقاً من مطلبنا بالإعتراف المتبادل وفهم الآخر، برواية التاريخ، واحترام الشهداء، والرموز، لا يمكن أن يقودنا إعلام وسياسيون يقتاتون ويتضخمون على الإنقسام والتحريض، إلى عكس ما نرمي إليه من توافق لبناني حول مشتركات وطنية، في طليعتها توصيف إسرائيل كعدو.
ومن مليتا إلى غابة طبرية وكنائسها، جسرٌ وطني لا بُد أن يبنى ذات يوم، مهما تأخّر، ومهما نفخ المحرضون في أبواق الترهيب والإقصاء، فمن دونه تبقى الروايات الوطنية ناقصة…

You might also like