رد الفعل من “لمّ الصينية” إلى “ما رح نفتح بيوتنا”: الجماعات اللبنانية بين التحريض وصوت العقل! ميشال ن. أبو نجم

مدهشة وغريبة، هذه القدرة اللبنانية على إعادة استنساخ الحروب الداخلية، على شاكلة “المعارك” الدائرة على التواصل الإجتماعي، مع ما تعنيه من استمرار في الصورة النمطية المرسومة عن الآخر، الطائفي أو السياسي.

لا بل أن التوتر السريع لدى الطوائف من دون التدقيق في الأخبار والتصريحات حتى، هو مؤشر إلى حجم الأذية الكبرى التي تلحقها حملات الكراهية والحقد الممنهجة بالمجتمع وعلاقات اللبنانيين بين بعضهم. هو معبّر أيضاً، عن حجم الإحتقان المتولد في الجماعات الطائفية اللبنانية تجاه بعضها البعض. وقد يكون بعض هذا الإحتقان ناتجاً عن أسباب حقيقية ومعقدة في السياق الداخلي، لكن الخطر الأكبر هو استمرار بقاء شرائح واسعة من المجتمع اللبناني على اختلافها، في داخل الصور النمطية والمقولبة المرسومة عن الآخر، إن كان طائفياً أو سياسياً أو حزبياً. وعلى هذا الأساس، تذهب لتستولِد صوراً مشوهة وانطباعات خاطئة، وبالتالي تتعزز الإنقسامات المجتمعية على وقع براكين الخطر الوجودي.

 

فجأة، سرتْ كالنار في الهشيم عبارة “لمّ الصينية” للبطريرك الراعي، والتي أتت في سياق الحديث عن مساعدة النازحين اللبنانيين من الجنوب، وعلى الأرجح كان يقصد فيها دعم أبناء رعايا المناطق المسيحية الجنوبية ولا سيما القرى الحدودية منها بطبيعة الحال. فانقض المغرّدون من نخب وشرائح شعبية شيعية على البطريرك الراعي آخذين عليه “إهانة كرامة الجنوبيين”، و”عدم حاجتهم لأحد”، ومن بينهم قيادات دينية وإعلاميون. توترّت البيئة المسيحية وسارعت إلى الرد لكن من حسن الحظ، أنه في المقابل تصاعدت أيضاً أصوات في البيئة الشيعية من إعلاميين وقيادات فكرية مؤيدة لخط حزب الله، صحّحت الإنطباعات الخاطئة، في موازاة مطالبتها ب”تهدئة البال”.

الإعتراض كان جارفاً في حالة “لم الصينية”، لكن هذه وبعيداً من التفاصيل، أتت في سياق عفوي طبيعي لخطاب منبثق عن تقاليد الكنيسة المارونية، والمسيحية عامةً. غير أن القصة ليست في القول، بقدر ما هي في كيفية تلقي هذا “القول”. كما أن التوتّر و”الهيجان” يبرزان أيضاً نتيجة سياقاتٍ غير عفوية، كما في حملة “ما رح نفتح بيوتنا”، والبشعة، قبل أسابيع في ظل تجهز المجتمع اللبناني للحرب، ما عكس تحريضاً يستفيد منه الجميع إلا اللبنانيين، جميع اللبنانيين. وفي مثل آخر، تمت الإستفاقة منذ أيام أيضاً على تداول تغريداتٍ سابقة لسكان من جوار رميش والقرى المسيحية في بنت جبيل، سببها أنها صدرت في إطار الرد على تحسس أهالي رميش، والحقيقي، من استخدام أراضي البلدة للرد على العدوان الإسرائيلي. هنا، وبعيداً من نظريات المؤامرة ولوم القوى الخارجية على الأزمات الداخلية، تفتضح حملات الكراهية الممنهجة، التي تتجاوز بكثير الخلافات السياسية المشروعة. وفي ظل حرب كبرى تشارك فيها أميركا وقوى إقليمية، يدق موقظو الإنقسام والتوتر، على وتر الوجدان الجماعي وقضايا وجود الطوائف بالذات، فتكون النتيجة توتراً وتباعداً وإصراراً على انعزال كل مجموعة في انطباعاتها وصورتها وذاتيتها، بدلاً من التلاقي على المساحات المشتركة.

 

ما تُفصح عنه وسائل التواصل الإجتماعي، على مساهمتها في صنع السخافة وتعزيز الإنقسام، هو حجم التباعد في الصور والخيارات بين اللبنانيين. الأخطر، هو الفشل الذريع في التخفيف من حدة التناقضات الطائفية العبثية، والناتجة عن عدم استماع للآخر. والأساس في ذلك، عدم التحاور جدياً حول الإختلافات والقضايا المصيرية. وفي ظل جهوزية خارجية دائمة للإستثمار في توسيع الإختلاف والنفخ في النار، يتحول كل تصريح، أو أي اتجاه إعلامي وفكري سياسي، إلى يافطة يختبئ وراءه النافخون في الإنقسام.

 

ما الفرق بين تغريدات الرئيس ميشال عون في حادثة الكحالة وحوادث مماثلة، وما بين حملات التحريض على شاكلة “ما رح نفتح بيوتنا”؟ هي كلمةٌ، قد تحيي وقد تميت، إذ يكفي قليل من التحريض لتمدد “حادثة كِلّة” واشتعال المجتمع اللبناني باقتتال عبثي. وأساساً الدوائر التي تستغل كراهية حقيقية موجودة بين اللبنانيين، تلعب على هذا الوتر لتمرير مصالحها في الصراعات الإستراتيجية. فبدلاً من أن نجعل كلامنا وسيلة للقتل المعنوي وشيطنة اللبناني الآخر، هناك فرصة لأن نتجاوز ظلام الفتن بتقديس “الكلمة” وصوت العقل والإصغاء للآخر المختلف، وجعل الحياة اللبنانية ذات معنىً، فلا تبقى على قارعة المتاريس المتكرسة في الوجدان اللبناني.

*رئيس تحرير tayyar.org

You might also like