خلاصات أميركية صادمة: السلوك الإيراني لا يشكّل قلقاً وهذا ما يدفع واشنطن للتدخل في لبنان! ميشال ن. أبو نجم

في قراءة السياسات الأميركية لبنانياً، تفاوتٌ كبير. معظم القوى السياسية اللبنانية تحاول استخلاص الإتجاهات بحسب مخيّلتها ومصالحها، وقلةٌ ترى بعين الواقعية، إلى درجة يصبح معها كلام بعض المطِّلعين عن كثب على السياسات الأميركية، ضرباً لأوهام من يعمل على قاعدة “التفكير التفاؤلي أو الرغائبي” wishful thinking.

ضمن هذا الإطار، تسنّى لtayyar.org لقاء بعض الخبراء ممن لديهم صلة وثيقة بالكونغرس في نقاشٍ لم يخلُ من تمرير بعض الإشاراتْ اللافتة سواء لبنانياً أم إقليمياً.

 

يقدم هؤلاء بدايةً نقداً للسياسات الحكومية المتبعة إزاء ملف النزوح منذ بدايته، ويحملونها مسؤولية الوصول إلى هذه الحال. هم أساساً لا يرون كما غالبية اللبنانيين، أن توصيات البرلمان الأوروبي في هذا الشأن سيئة! لا بل أنهم يشيرون إلى أن القرار تضمن ذكراً لتسريع العودة الآمنة ودعمها، ويطالبون بالتعويل على ثغرات مماثلة والكف عن الإنتقاد والإعتراض. وبالنسبة لأولئك المطلعين على أجواء الكونغرس الأميركي، كان على لبنان أن يقبل بإنشاء مخيمات مؤقتة على الحدود، قبل البدء بتحديد صفة “اللاجئ” من عدمها.

ويلفتون إلى أنه كان على لبنان أن يستند إلى قاعدة الState determination، لتحديد صفة “اللاجئ” ومدى انطباقها على النازحين، لكن رفض لبنان لهذه القاعدة بحسب هؤلاء أدى إلى تعاظم عدد النازحين، في الوقت الذي كان يمكن فيه تخفيض عدد النازحين استناداً إلى تحديد صفة “اللاجئ” إلى 600 ألف نازح! كما لا ينسون توجيه النقد للسلطات اللبنانية لأنها رفضت كذلك توقيع مذكرة تفاهم حول “الداتا” مع الوكالات الدولية.

 

هذا النقد، يقابله تفهم للموقف اللبناني لا بل إقرار بالوقائع الدامغة التي تعيق عودة النازحين. فمع استبعادهم نظرية “المؤامرة”، يعترفون بأن من الأسباب الأساسية لتعميق أزمة النزوح السوري تخوف أوروبا من انتقال موجات النزوح إلى أراضيها، فضلاً عن المصالح الذاتية لدوائر وكالات الأمم المتحدة، التي لديها مصلحة أكيدة في إبقاء حال النزوح كما هو، لأجندتها التمويلية الخاصة كونها تطلب التمويل بحسب المستفيدين، وذلك ضمن الفساد الإداري المعروف وزيادة تأثيرها في منظومة الأمم المتحدة!

 

يكرّر هؤلاء نظرية قد لا يمكن تقبلها لبنانياً، وهي أنَّ الأميركيين لا مرشح مفضلاً لديهم وغير منهمكين في الرئاسة بشكل مباشر، وإن كانت هناك دوائر عسكرية تحبّذ التعامل تقليدياً مع قيادات الجيش، لكن هناك خطوط حمراء وهي ألا يصل رئيس معادٍ لمصالحهم خاصة في الجيش والمصرف المركزي.

ما يعني الأميركيين فعلياً هو تعيين قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان، وهم مستعدون لسحق من يريد مواجهتهم في هذين الموقعين والذهاب نحو النهاية في هذا الإطار… وأساساً، هناك استمرار طبيعي وبديهي في “الإستثمار” في الجيش اللبناني. أما في حالة مصرف لبنان المركزي فما يهمهم هي مصالحهم في استمرار تنفيذ ما يطلبونه وعدم حصول فوضى مالية، وبالتالي وجود شخصيات يستطيعون التعامل معها، وبمعنى آخر أن تعمل ضمن الضوابط والمصالح الأميركية في مسائل تبييض الأموال و”الإرهاب” وغيرها…

وفي الخلاصة، لا عوامل في لبنان تدفعهم إلى التدخل. الإستثناء عامل وحيد، هو تصاعد الوضع نحو الفوضى!

 

في الملفات الإقليمية، وعلى عكس الخطابات التعبوية السائدة، فإنَّ هؤلاء يقولون ضاحكين إن الولايات المتحدة لا تعتبر أن السلوك الإيراني الحالي يشكّل قلقاً للأميركيين. وفي المقابل، فإن العلاقات الأميركية – السعودية سيئة جداً.

وعلى مجهر صناع القرار في واشنطن، القلق الذي يتعاظم تجاه الصراع الداخلي الإسرائيلي، وبالتالي فإن اتجاه واشنطن هو محاولة احتواء اندفاع حكومة نتنياهو وإجراءاتها من خلال العلاقات الوثيقة مع المؤسسة العسكرية والأمنية، خاصة وأن المخابرات الإسرائيلية لا تريد حرباً مع الجوار، وتخشى في المقابل من النزعات المتشددة لرئيس الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل. ومن هذا المنظار، تسعى أميركا للتهدئة في المنطقة لأنَّها لا تريد تعزيز وضع “المتطرفين” الذي من شأنه توتير الأوضاع وتصعيدها نحو حرب واسعة.

 

دولياً يبقى ملف الحرب في أوكرانيا الأبرز في موازاة الصراع المحموم مع الصين بطبيعة الحال. ويعكس هؤلاء المطلعين على السياسات الأميركية “الفرح” الذي يسود واشنطن وهي تراقب استنزاف روسيا في الميدان الأميركي وما يعتبرونه تخبط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولذلك هم سيستمرون في السياسات نفسها طالما أنها تؤدي هذا الهدف بالإستنزاف. لكنهم يلفتون إلى متغيّرات قد تؤثر في الموقف الأميركي أولها رد فعل محتمل للرأي العام الأميركي رفضاً لتورط الولايات المتحدة في الحرب الأوكرانية، نظراً لأن جوهر هذا التدخل يتركز على الأسلحة النوعية التي تقدمها لكييف والتي تسهم في صمودها العسكري أمام آلة الحرب الروسية. أما المتغير الثاني فهو احتمال تسجيل بوتين انتصارات عسكرية ميدانية ما يجبرها على دعم اتجاه التسوية مع روسيا.

حتى ذلك الحين تتفرج الولايات المتحدة على الإقتصادات الأوروبية المنافسة تتدمر في مواجهة “العدو” الروسي!

*رئيس تحرير tayyar.org

You might also like