للمرة الثانية، يقر قانون تعديل السرية المصرفية في جلية تشريعية. وهذه المرة بعد الأخذ بغالبية التعديلات التي طلبها رئيس الجمهورية في ردّه للنسخة الأولى من القانون، ومتضمناً أكثرية ملاحظات صندوق النقد الدولي.
فانضم القانون بذلك الى سلسلة تشريعات إصلاحية ابرزها : التدقيق الجنائي واستعادة الأموال المنهوبة والاثراء غير المشروع ومكافحة الفساد وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الخ ، عُمل عليها في الفترة الماضية، وسلكت طريقها بين مطبخ لجنة فرعية لمكافحة الفساد يرأسها النائب ابراهيم كنعان ولجنة المال والموازنة وصولاً الى الهيئة العامة على طريق شفافية مالية اكبر.
وقد انطلقت الهيئة العامة في ما اقرته مما توصلت اليه لجنة المال والموازنة، والتي ادخلت تعديلات تمتّن القانون وتجعله الأقرب الى متطلبات صندوق النقد الدولي وملاحظات رئيس الجمهورية في ردّه للصيغة الأولى.
ومن تابع التصريحات والتسريبات التي سبقت الجلسة، وسنحت له فرصة التواجد في القاعة عند مناقشة واقرار القانون، لرأى وسمع ان العديد من الملاحظات التي عبّر عنها النواب داخل وخارج الجلسة ، موجودة في صيغة لجنة المال، وأن الكثير مما اثير في الاعلام أخيرا لم يكن في محلّه، وان المنتقدين لم يطلعوا على القانون ام انهم اختاروا المزايدة.
وبدا بذلك أن الحملة الشعواء التي شنّت، هدفت الى محاولة منع الانجاز، من خلال التهشيم والترهيب، بعيداً من أي منطق أو موضوعية أو فهم حتى لواقع الأمور أو الاطلاع على بنود القانون.
هكذا، بدا أن ردّية واحدة كانت تتنقّل عشية اقرار القانون بين “بعض الإعلام” و”بعض النواب”، بينما ساعات من النقاش الجدّي والدرس والمتابعة مع صندوق النقد، اوصلت الى الصيغة النهائية للقانون.
وما جرى في الجلسة التشريعية لم يقتصر الاّ على بعض التعديلات الشكلية التي لم تبدّل في جوهر ما حصل في المطبخ التشريعي للجنة المال والموازنة.
وبالنتيجة، جرى اقرار المفعول الرجعي لرفع السرية بالعودة الى العام ١٩٨٨، وتوسيع الجهات التي يحق لها طلب رفع السرية والتي شملت لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان ومؤسسة ضمان الودائع بالإضافة الى القضاء و الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة التحقيق الخاصة والادارة الضريبية .
وبالتالي، اثبت اقرار هذا المطلب الاصلاحي، ان الفرق شاسع بين “الهمروجة” والتضليل، وبين التشريع الحريء والمسؤول البعيد عن الشعبوية والمزايدات ، والتخريب ، ليتبين أن بين التشريع والتخريب خيط رفيع!
ماذا بعد؟ يبقى على الحكومة الاسراع في مناقشة خطتها واحالة قانون اعادة هيكلة القطاع المصرفي الى المجلس النيابي كي يتوقف التشريع “على القطعة” فيعرف المودع اللبناني مصير امواله المحجوزة في المصارف، ومتى وكيف سيستردها.


