خاص – اللاعدالة تطال وزارة الخارجية وبكركي ممتعضة: هل يصحّحها مجلس الخدمة المدنيّة؟

لارا الهاشم-

في بلد تكاد تتحلّل كلُّ مؤسساته، لم يكن ينقص سوى أن يطرق القلق باب الجسم الدبلوماسي من بوابة مناقلات ضبابيّة وغامضة.

 إذ تضجّ أوساط وزارة الخارجية بقرار إعادة 32 دبلوماسياً من أصل 43 من دورة ال2016 من بعثات لبنان في الخارج إلى الإدارة في بيروت، مقابل تشكيل 32 آخرين ملحقين بالإدارة في بيروت. هؤلاء الراغبون بالسفر هم من دورة ال 2008 الذين عادوا الى لبنان في ال 2019 على أساس أن يتم تشكيلهم مجدّداً في ال 2021 ومن دورة ال 2019 الذين كان من المفترض بهم أن يتدرّجوا في الإدارة لسنتين قبل تشكيلهم إلى الخارج، إلّا أن ذلك لم يحصل بسبب الأزمة الماليّة.

وعلَيه فلو كان الوضع طبيعياً لكانت هذه المناقلات اليوم في مكانها الصحيح، لكنّ المشكلة تكمن في أن الدبلوماسيين ال 43 الذي سيتم استدعاء غالبيتهم لم يكملوا سنواتهم السبعة في الخارج المسموح بها قانوناً، وهو الأمر الذي خلق بلبلةً كونه يشكِّل سابقة في تاريخ وزارة الخارجية.

 

فصحيح أنَّ نظام الوزارة يتحدّث عن سبع سنوات “كحدّ أقصى” غير ملزِمة، لكنّه لم يسبق لوزارة الخارجية أن استدعت دبلوماسياً قبل انقضاء هذه المهلة إلا في إطار التأديب أو بناءً على طلبه. وأكبر دليل على أن النظام لم يطبّق يوماً بحذافيره ،هو بقاء عشرات السفراء في مراكزهم في الخارج على الرغم من انقضاء مهلتهم القانونية المحدّدة بعشر سنوات ومن دون قوننة وجودهم بمراسيم.

 

لكنَّ ما يحصل اليوم هو أن الملحقين بالإدارة يتململون من تدهور قيمة رواتبهم في لبنان عوضاً عن الاستفادة من حوافز الإنتقال إلى الخارج وهو ما دفع بوزير الخارجية عبدالله بو حبيب إلى الإستجابة لمطالبهم المتكرّرة التي باتت تشكّل عامل ضغطٍ. تالياً أعدّ بو حبيب مسودّة بالاتفاق مع الأمين العام لوزارة الخارجية السفير هاني شميطلّي هي بمثابة “تروك” بين 30 في الإدارة العامة واثنين موضوعين خارج الملاك مؤقتا مقابل 32 من أصل 43 من دورتين ال 2008 وال 2019 وفقاً لمعايير غير واضحة، فيما تصحيح الخلل يجب أن يبدأ من أماكن أخرى.

 

إذ تقول مصادر متابعة ل tayyar.org  أن في البعثات الدبلوماسية في الخارج دبلوماسيين من دورة ال 2003 من الفئة الثانية تخطت فترة عملهم السبع سنوات، ومنهم من تبقّى أمامه حوالى السنة للعودة إلى لبنان، وبالتالي فإن التوفير على خزينة الدولة يقتضي إعادة هؤلاء كونهم تخطوا الفترة القانونية وكون رواتبهم في الخارج تفوق رواتب دبلوماسيي دورتي ال 2008 وال 2019 بما أنهم اكتسبوا درجات مالية أعلى. في الموازاة تقول المصادر إنَّ تصحيح الخلل المالي ممكن أيضاً من خلال استدعاء الملحقين الإقتصاديين الذين يتم التجديد لهم سنوياً أو من خلال استدعاء سفراء في الخارج عيّنوا من خارج الملاك وانتهت ولايتهم مع انتهاء ولاية رئيس الجمهورية وكان من المفترض أن يتسلّم مكانهم من يليهم درجة في البعثة.

 

لكنّ في مقابل أزمة النظام تبرز مشكلة أساسيّة دستورية باطنها سياسيٌّ وطائفيٌّ. إذ لم يسبق لوزارة الخارجية أن أجرت مناقلات من دون العودة للهيئة الإدارية المؤلفة من الأمين العام (سنّي) ومدير الشؤون السياسيّة (ماروني) ومدير الشؤون الإداريّة (أورثوذكسي)، إلّا هذه المرّة حيث تفرّد بوضعها الأمين العام بالتنسيق مع الوزير.

لا بل وأكثر فانّ المسودّة التي رُفعت إلى مجلس الخدمة المدنيّة راعت مطالب زعيم التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط واعتبارات رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عبر نقل دبلوماسيين إلى بعثات أساسيّة، وجزءاً من مطالب ثنائي أمل-حزب الله بعد أكثر من اجتماع مع ممثلي هذه الأحزاب والقوى السياسيّة، في حين أنها لم تأخذ بعين الإعتبار رأي القوى السياسية والمرجعيات الروحيّة المسيحيّة، التي ترفض بشكل أساسي إجراء مناقلات في ظل حكومة تصريف الأعمال. مع الإشارة إلى معلومات تتحدث عن عدم مراعاة الأقدميّة والدرجات في مسودّة المناقلات، وعلى سبيل المثال اقتراح نقل دبلوماسي من الفئة الثانية من دورة ال  2008 إلى سفارة في دولة أوروبية للعمل إلى جانب قنصل أدنى منه بدرجات من حيث الأقدميّة.

 

وفي هذا الإطار تنقل مصادر سياسيّة عن بكركي امتعاضها من طريقة التعاطي مع هذه المناقلات، أما أبرز القوى السياسية المعارضة لها في ظل حكومة تصريف الأعمال فهو التيار الوطني الحر الذي أعلنها صراحة في تغريدة نشرت على حسابه على “تويتر”.

 

ويرتكز التيار في اعتراضه على قرارين صادرَين عن مجلس الخدمة المدنية في ال 2018 وال 2021، رافضَين لإجراء مناقلات في ظل تصريف الأعمال أي بشكل أوضح في غياب رئيس الجمهورية. ففي ال 2018 أي في ظلّ حكومة سعد الحريري اقترح وزير الخارجية نقل دبلوماسي من أبو ظبي إلى سوريا. وفي ال 2021 أي في ظل حكومة تصريف الأعمال التي كان يرأسها ميقاتي اقترح وزير الخارجية نقل دبلوماسي آخر من الإدارة المركزية إلى سفارة لبنان في سوريا، لكنَّ الإقتراحين رفضا من قبل مجلس الخدمة المدنيّة استناداً إلى تعميمين صادرين عن الحريري وميقاتي يخضعان فيه أي عمل إداري يخرج عن نطاق تصريف الأعمال لموافقة استثنائية من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة كون النقل “يؤدي إلى تعديل في وضع قانوني ووظيفي قائم لصاحب العلاقة ومن شأنه أن يرتّب أعباء مالية”، وهو ما يدحض ما جاء في بيان رئيس الحكومة عن عدم ترتيب المناقلات أي أعباء مالية.

 

 وهنا تسأل المصادر: لِمَ يقبل ميقاتي اليوم في ظل غياب رئيس الجمهورية وتعذّر الاستحصال على موافقة استثنائية بما رفضه سابقاً في ظل حكومة تصريف أعمال؟ ولِمَ تم استمزاج رأي وزارة المال في حينه خلافاً لما يحصل اليوم؟ فهل ما يحصل هو استكمال لقضم صلاحيات الرئيس، خصوصاً أن الحديث عن المناقلات جاء في توقيت مشبوه توازياً مع الحديث عن تعيين حاكم لمصرف لبنان وأعضاء المجلس العسكري؟. وإلّا فلتُقدم حكومة تصريف الأعمال التي وقعت مئات المراسيم التي لا تتّخذ صفة الضرورة  بذريعة “تصريف الأعمال” على توقيع نقل دبلوماسيي الفئة الثانية من دورة ال ٢٠٠٣ إلى الإدارة بما قد يعيد التوازن إلى السلك.

 

 بأي حال فإنّ الكرة اليوم تقع في ملعب مجلس الخدمة المدنيّة الذي يعود إليه التأكد من وحدة المعايير ومن دستوريّة المناقلات. ومما لا شكّ فيه أن الإجحاف يطال دبلوماسيي دورات ال 2008 وال 2016 وال 2019 على حد سواء، لكنّ الحل يستوجب سلّة متكاملة تعالج الخلَلَ برمّته عوضاً عن المعالجات الموضعيّة التي ستولّد خللاً أكبر على المدى البعيد وستكرّس اللاعدالة.

You might also like