جومانا ناهض-
جاءت إطلالة رئيس التيّار الوطني الحرّ النائب جبران باسيل في حلقة الأمس من برنامج «صار الوقت» لتشكّل محطّة سياسيّة لافتة، ليس فقط من حيث مضمون المواقف، بل أيضًا من حيث توقيت الحوار والأسلوب الّذي اعتمده في مقاربة الأمور. فقد بدا باسيل كعادته هادئًا، متماسكًا ومدعومًا بالملفات والبراهين والحجج ومحافظًا على لياقة عالية في النقاش، حتى عند تناوله ملفات شديدة الحساسية.
ففي رده على جعجع، اختار باسيل مقاربة مختلفة عن السّجالات المعتادة، فاستند إلى الأرقام والوثائق، لا إلى الشّعارات والأكاذيب وإلى جهل في الملفات بل عرض وقائع محددة تتعلّق بالملفات الّتي يُتَّهم بها، واضعًا المُشاهد أمام معادلة واضحة: إمّا نقاش مبني على علم ومعرفة، وإمّا الاستمرار بالخطاب الشّعبوي القائم على الاتّهام لمجرّد الظّهور واستقطاب الفئة الأضعف ممّن يصدّقون أي شيء. هذا الأسلوب كرّس كلامه المتمايز بين من يناقش بالوقائع ومن يكتفي بالتّخوين السّياسي.
أما في ملف الكهرباء، فقد قدّم باسيل تفنيدًا مفصّلًا لما يُشاع حول دوره ودور التيّار. فذكّر بالخطّة الّتي أُقرّت في مجلس الوزراء، وبالعرقلة الّتي واجهتها في مراحل التنفيذ، وبأن جزءًا كبيرًا من القوى الّتي تهاجمه اليوم كانت شريكة في الحكومات الّتي عطّلت الحلول. وأشار بوضوح إلى أن الكهرباء تحوّلت إلى شمّاعة سياسيّة، يُراد تحميلها لفريق واحد، فيما الحقيقة أن الفشل كان جماعيًّا، والمسؤوليّة موزّعة على من حكم وقرّر وعرقل. وأكّد باسيل أنّ عدم تقديم الوزير المسؤول إلى اليوم خطّة للكهرباء تعود إلى كونه مقتنعًا بجدوى خطّة التيّار لكنّ تنفيذها سيضع فريقه في مصافي من كذب على النّاس لا بهدف نبيل بل لتشويه سمعة.
وعن علاقته بسمير جعجع، بدا واضحًا في توصيفها: خصومة سياسية قائمة على مشروعين مختلفين، وفي ما خصّ المناظرة، شدّد على استعداده الدائم للنّقاش العلنيّ، معتبرًا أنّ من يرفض المناظرة هو من لا يملك ما يقدّمه سوى الاتّهام. في هذا السّياق، لمّح إلى أن الهروب من المواجهة الإعلامية المباشرة يعكس ضعف الحجة لا قوتها. ولو كان من رفض المناظرة متمكّنًا من الملف لما تخلّف عن المناظرة.
وفي الشأن الحكومي، وجّه باسيل انتقادًا صريحًا لمن هاجموا الحكومة في الإعلام، ثمّ عادوا وصوّتوا مع الموازنة داخل المجلس النيابي. واعتبر أنّ هذا السّلوك يجسّد ازدواجيّة سياسيّة واضحة، تقوم على المزايدة أمام الرّأي العامّ، والتّسوية في الكواليس. بالنسبة إليه، لا يمكن لمن يصف الحكومة بالفاشلة أن يمنحها الغطاء التّشريعي، إلا إذا كان شريكًا في خياراتها.
أمّا في ما يتعلّق بعلاقته مع حزب الله، فقد كرّر باسيل موقفه المعروف: التّحالف لم يعد قائمًا بصيغته السّابقة، والخلافات أصبحت علنيّة، لا سيّما في مقاربة ملف الدولة والإصلاح. لكنّه في الوقت نفسه رفض منطق الاستثمار في العداء، مؤكدًا أنّ الخلاف السّياسي لا يعني القطيعة الوطنية فالحزب هو مكوّن مسيحي موجود. وفي ملف السّلاح، أعاد التّأكيد على موقفه الدّاعي إلى حوار وطني هادئ، بعيدًا عن الاستفزاز، يهدف إلى حماية الدولة لا إلى تفجيرها.
في المحصّلة، عكست حلقة «صار الوقت» محاولة واضحة من جبران باسيل للانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم السّياسي الهادئ، القائم على الوثائق لا الانفعالات. المرحلة المقبلة، كما بدا من كلامه، تتطلّب منه ترجمة هذا الخطاب إلى مبادرات عمليّة، تعيد بناء الثّقة، وتثبت أنّ السّياسة يمكن أن تُمارَس بالعقل قبل الصوت العالي.


