ربيع مسعد –
تشهد العلاقات الدّوليّة الدّبلوماسيّة في الآونة الأخيرة على العديد من الزّيارات الرّسميّة، وإحداها كانت زيارة الممثّل الأعلى للشؤون الخارجيّة والسّياسات الأمنيّة في الإتّحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إلى لبنان.
من المعروف عن بوريل أنّهُ شخصيّة دبلوماسيّة بارزة، ورغم التّركيز على مواقفه المشجّعة تجاه فلسطين، إلّا أنّ بعض القرارات الأوروبيّة بطبيعتِها تثيرُ جدلاً واسعاً في لبنان، خاصّةً فيما يتعلّق بالأزمة الكبيرة التي يُعاني منها لبنان: أزمة النّزوح السّوري.
لا يُمكن إلّا قراءة ما بين سُطور زيارة بوريل بشكلٍ شامل، بغضّ النّظر عن مواقفه الدّاعمة لفلسطين، وذلك لفهمِ التّأثير الكامل على الوضع اللّبناني.
تُعتبر إحدى النّقاط الرّئيسية، والتي تُثير القلق بطبيعتها، الدّعم الأوروبي العلني للبقاء الطّويل للنّازحين السّوريين في لبنان، وبالتّالي منع عودتهم إلى سوريا.
في مُتابعةٍ للأوضاع اللّبنانيّة، ليسَ من جديد معاناة لبنان “اللّامتناهية” من الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة الصّعبة؛ “وفوق مصائبه”، يتحمّل لبنان، فوق قدراته وطاقاته وإمكانيّاته، عدداً هائِلاً من النّازحين السّوريين، بين الشّرعيّين وغير الشّرعيّين، المسجّلين وغير المسجّلين… وهُنا لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين أساسيّتين:
الأولى: توصيفاً للواقع، يَعتبرُ بعض اللبّنانيين أنّ بقاء هؤلاء النّازحين يُساعِد على تفاقم الأزمات المحليّة أهمّها البطالة، كما وينتج ذلك عن تدهور الخدمات الأساسيّة.
الثّانية: بحسب الدّراسات العلميّة والأرقام الدّقيقة، إنّ إستمرار بقاء النّازحين السّوريّين على الأراضي اللّبنانيّة، يُشكّلُ المزيد من إنهيار كلّ القطاعات اللّبنانيّة.
إقرار الإتّحاد الأوروبي، برئاسة بوريل، بدعم إستمرار إقامة النّازحين في لبنان، من دون توفير أي من الحلول الملموسة لعودتهم إلى سوريا، أثار إنتقادات حادّة سابقاً… فَيَرى البعض أنّ هذا الدّعم من شأنِه أن يُساهِم في تجميدِ الأزمة النّاجمة عن النّزوح السّوري، دون تحمُّل المُجتمع الدّولي مسؤولياته تجاه عودة هؤلاء النّازحين إلى وطنهم… لا بل ان “المجتمع الدولي ساكِت”، وهُنا يمكن القول، بفعل التّجارب التي علّمتنا، أنّ السّكوت ليس فقط من علاماتِ الرّضى، لا بل من علامات التّواطئ حتماً!
عليه، يجب على أعضاء الإتّحاد الأوروبي وممثّليه، كبوريل مثَلاً، أن يأخذوا في إعتبارهم الظّروف الصّعبة التي يعيشها الشّعب اللّبناني، ومِثال على ذلك الأرقام والدِّراسات “المُخيفة”، كما وأن يتبنّوا سياسات تُعزّز إِستقرار البلاد وتدعم جهودها في مواجهة التّحديات.
كما صارَ واضِحاً في هذا الموضوع، بَقِيَ كلّ من نجيب ميقاتي وعبدالله بو حبيب أمام بوريل، ساكِتاً، بما خصّ ضرورة عودة النّازحين السّوريّين إلى سوريا، وهُما المُخَوَّلان السعي والمتابعة لحلّ هذا الموضوع!
ولكن، وكالعادة، وبكلّ فخر… وقفَ التّيار الوطني الحرّ هذه المرّة أيضاً وحيداً بوجه بوريل، رافِضاً على الإِطلاق سيناريو إبقاء النّازحين السّوريّين في لبنان، هُو نفسه التّيار الذي حذَّرَ من خطر هذا النّزوح منذ العام ٢٠١١، فكانت المكافأة وصفه “بالعنصري” لأجل مواقفه الدّاعمة لعودة النّازحين السّوريّين بطريقة آمنة وسليمة إلى سوريا، خوفاً من مشروع التّوطين والدّمج. فهل وصلت جميع الأحزاب اللّبنانيّة اليوم إلى ما حذّر منه التّيار؟
في الختام، وفي محاولةٍ للوصولِ بالموضوع إلى مختصرٍ مفيد، نخلص إلى التّالي: التّوازن بين الدّعم لفلسطين وتفهّم حقوق واحتياجات الشّعوب الأخرى، بما في ذلك الشّعب اللّبناني والشّعب السّوري، يعدّ أمراً حيويّاً، من دون أدنى شكّ، لتحقيقِ السّلام والإستقرار في المنطقة.


