علي نور الدين- المدن
نشر الأمين العام لجمعيّة المصارف فادي خلف، يوم أمس الجمعة، افتتاحيّة التقرير الشهري للجمعيّة. وكما كان متوقعًا، استأنف خلف الهجوم الإعلامي الذي تشنّه الجمعيّة حاليًا، في مواجهة مشروع قانون الفجوة الماليّة، والذي تم تدشينه سابقًا في بيانين وحملة إعلانيّة شرسة.
في افتتاحيّته، قدّم خلف الأولويّات التي ستسعى جمعيّة المصارف إلى الدفع باتجاهها خلال المرحلة المقبلة، والتي تصب جميعها في خانة إعفاء المصرفيين من كلفة إعادة رسملة القطاع، والحؤول دون أي إجراء يمكن أن يمس بالمكتسبات التي حققوها خلال الفترات السابقة.
أمّا البديل عن المحاسبة والمساءلة، فهو ربط تسديد الودائع بفكرة “مسؤوليّة الدولة”؛ أي تحويل التزامات القطاع المصرفي إلى ديون عامّة، بمعزل عن إمكانيّة سدادها للمودعين لاحقًا. كما والعودة إلى فكرة تسييل الذهب، مقابل تخفيض كلفة إعادة الرسملة التي سيتحمّلها المصرفيون. وفي جميع الحالات، لا يبدو أنّ الجمعيّة راضية عن فكرة ضمان كل وديعة لغاية مئة ألف دولار، خلال السنوات الأربع المقبلة، إذ تواظب على الطعن بهذا الجانب من القانون من باب التشكيك بتوفّر التمويل.
اللعب على الكلمات
من الواضح أن خلف يُتقن -في افتتاحيّاته- اللعب على الكلمات، مع معرفته المسبقة بأنّه يناور باستعمال المفاهيم القانونيّة والماليّة في غير موضوعها. في مقاله، استنكر تحميل المصارف النصيب الأكبر، من كلفة تسديد الودائع التي تقل عن مئة ألف دولار. وهنا نجد أوّل مغالطة -مقصودة؟- وقع فيها خلف، إذ إن القانون يضمن تسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار، خلال أربع سنوات، وليس “الودائع التي تقل عن مئة ألف دولار” كما أشار.
في كل الحالات، ولدفعنا للإشفاق على أصحاب المصارف، يُذكّر خلف بأنّ ما سيساهم به مصرف لبنان لتسديد الودائع ليس سوى أموال المصارف، المودعة هناك كتوظيفات إلتزاميّة. وهنا يقوم خلف بمناورة لا يمكن استيعابها، حيث يخلص إلى أنّ القانون يحمّل “المساهمين الحاليين هذه الالتزامات، من دون أي أفق واضح أو ضمانة قانونيّة مستقبليّة”. وبعد هذه النقطة، يسترسل خلف في توصيف أثر هذا الإجراء لجهة تصفية القطاع المصرفي والقضاء عليه وشلّ النظام المالي…إلخ.
في واقع الأمر، توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان لا علاقة لها بالكلفة التي سيتحمّلها أصحاب المصارف. هي نسبة من أموال المودعين، التي تم توظيفها إلزاميًا هناك، لضمان الحد الأدنى من سيولة النظام المصرفي. واستردادها، لصالح المودعين، هو حق بديهي، وليس مساهمة (ولا منّة) من “المساهمين الحاليين” في المصارف. حتّى هذه النقطة، لم يدخل المساهمون إلى المشهد بعد، ولم يقدموا شيئًا يُذكر.
إلى جانب احتساب الاحتياطات الإلزاميّة، يطلب مشروع القانون من المصارف تمويل 40%، من سداد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار. وهنا، مجددًا، نحن نتحدّث عن المصارف ككيانات، وليس عن أصحاب المصارف كمساهمين. بمعنى أوضح، فإن الـ 40% ليست تضحية من أصحاب المصارف كما يشيع خلف، وتشيع جمعيّة المصارف.
ولتأمين الـ 40% هذه، يمكن أن تستعين المصارف بسيولتها الجاهزة الموجودة في الخارج، أو حصيلة بيع أصولها واستثماراتها الأجنبيّة، فضلاً عن حصيلة تصفية محفظتها العقاريّة، التي تشمل عقارات تم الاستحواذ عليها مقابل قروض متعثّرة، أو عقارات تشغيليّة لم تعد المصارف تحتاجها. وللذكر فقط، تمتلك 7 مصارف لبنانيّة 1050 عقارًا، بمساحة إجماليّة تقدّر بـِ 6.6 مليون متر مربّع. كما تملك المصارف محفظة سندات يوروبوند، بقيمة اسميّة تناهز الـ 10 مليارات دولار، سيتم استرداد جزء منها بعد إعادة الهيكلة.
أين سيدخل أصحاب المصارف إلى الصورة؟ في عمليّة إعادة الرسملة. إذ ينص القانون على خسارة المساهمين للشريحة الأولى من الرأسمال، أي حصصهم في مصارفهم، لتحمّل أوّل جزء من الخسائر. وعندها، سيكون على هؤلاء تأمين سيولة إضافيّة، وضخها في المصارف، لإعادة تكوين حصصهم. عند تنفيذ عمليّة إعادة الرسملة، سيكون لدى مصرف لبنان المرونة الكافية لتحديد موجبات إعادة الرسملة لكل مصرف، وخلال مهلة ستمتد لخمس سنوات (وهي مهلة سخيّة جدًا، بالمناسبة). وبهذا الشكل، يمكن توزيع كلفة إعادة الرسملة، بما يسمح للمصارف بتنفيذ عمليّات الدمج والاستحواذ.
هذا الجانب من المشروع، هو ما ترفضه جمعيّة المصارف. مع الإشارة إلى أنّ شطب الرأسمال، بالنسبة لكل مصرف، لا يعني شطب الموجودات أو الأصول، بل يعني تحديدًا خسارة المساهمين لحصصهم في المصرف. وهذا الإجراء لا يعني تصفية القطاع، بل على العكس، هو خطوة ضروريّة لإعادة تعويمه بالسيولة. ومن غير الواقعي أنّ يطالب خلف بإعفاء المصرفيين من هذه الكلفة، بعدما تحمّل المودعون طوال السنوات الماضية الخسائر الناتجة عن احتجاز ودائعهم أو تقسيطها، أو حتّى اضطرارهم لبيعها بشيكات مصرفيّة.
الذهب ومسؤوليّة الدولة
بعد رفضه عمليّة إعادة الرسملة، يطرح خلف البدائل. وأوّلها السؤال عن مسؤوليّة الدولة (أي الأموال العامّة، من جيوب دافعي الضرائب). ومن المهم التذكير بأن المشروع يلحظ مسؤوليّة الدولة بإعادة رسملة مصرف لبنان، كما يلحظ آليّة لتحديد ديونها بحسب التدقيق الذي يجري حاليًا بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان. لكنّ جمعيّة المصارف، ومنذ عام 2020، تطالب علنًا بما هو أكثر (وأقل واقعيّة): تحويل التزاماتها للمودعين إلى موجبات على الدولة اللبنانيّة، أي ديون عامّة، ولو كانت الجمعيّة تدرك مسبقًا استحالة تسديد ديون عامّة بهذا الحجم.
ثم يخلص خلف، في مكان آخر من مقاله، إلى نكران وجود الفجوة الماليّة من الأساس، مشيرًا إلى امتلاك مصرف لبنان مجموعة من الأصول التي يمكن استخدامها، ومنها 41 مليار دولار من احتياطات الذهب. هكذا وبين المناورة لتحويل الودائع إلى ديون عامّة، والعودة إلى المطالبة بتسييل الذهب، الهدف واحد: التخلّص من استحقاق إعادة هيكلة المصارف، وإعادة رسملتها. وفي الحالتين، ثمّة كلفة ينبغي تحميلها لعموم الشعب اللبناني، مقابل إعفاء النخبة الماليّة من مسؤوليّتها في تمويل الحل المالي الشامل.


