المونسنيور ميشال الحايك –
المارونية هي وطن وأرض وحرية، رسمت هويتها على مولدها وعلى تاريخها حتى النهاية. غير أني أفضل كلمة «المارونية» على كلمة «الكنيسة المارونية»، لكيلا يُقتصر الحديث على مظهر واحد من مظاهر الفكر والحياة، وهذه المظاهر هي عديدة بقدر ما هي متنوعة. سأذكر البعض من أهمّها، أي تلك التي تجلَّت من خلالها صورة عَبْرَ خمسة عشر قرنًا من التاريخ.
هذه المارونية نشأت في الأصل، «كطريقة قداسة» خطّها المتوحّد مارون، وسار عليها جماعة من تابعيه. ثم إنها، في القرن الخامس، زمن المجادلات اللاهوتية الكبرى حول شخص المسيح، فرضتْ نفسها كمدرسة لاهوتية تكلفت الدفاع عن عقيدة مجمع خلقيدونيه وتقلّدت الزعامة في كل سوريا الثانية. ثم، في بدء القرن الثامن، أصبحت مع إنشاء البطريركية مؤسسة «كنسيّة» ذات سلطة مستقلة، وفي القرون الوسطى، هي «أمة مسيحية» بالمعنى القرنوسطوي لهذه الكلمة. ومن القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، زمن الإمارات، هي محاولة إقامة دولة عصرية. وفي زمن المتصرفية من 1864 إلى 1914، هي نظرية وسياسة سورية عربية. وفي عهد الإنتداب وعهد الإستقلال، إنها تبدو مرادفة للقومية اللبنانية، دون أن تتخلى في عمق وجدانها الروحي والزمني عن واحدة من الخبرات التي تراكمت لديها، عبر تاريخها الطويل.
هذه المارونية إذن لا تنحصر كلها في «كنيسة»، ولا هي أيضًا تحدّ بأرض، لأنها، من شمولية إيمانها الكاثوليكي ومن انبثاثها الجغرافي في كل القارات، ومن تعدّد تعابيرها الثقافية، تتخطى حدود أي وطن معين. إنها، مسبب هذه المظاهر المختلفة، شهادة الشمول.
على أن هذه الثروة كانت لا شك تبدّدت، وهذه الشخصية تفككت لو لم يكن هناك، في مكان ما، مركزٌ محوري وُجد ليضمن الوجود ويعزّز الوحدة. هذا المحور هو لبنان، منذ أن نُقل إليه الكرسي البطريركي نهائيًا عام 939 واستقر أولاً في يانوح في أعالي جبال جبيل. وكأنما الغاية من انتقال البطريرك كانت لتكريس عقد الزواج الذي لا طلاق منه أبدًا بين الماروني والأرض اللبنانية.
من هذا القران سيولد شعب وينشأ بلد. إذ ان الأرض، لولا الماروني، لأصابها من القحط والبوار ما أصاب العديد من بقاع الشرق. كما أن الماروني، لولا الأرض، لظلّ لا شك هائمًا على وجهه من باب لباب حتى الضياع كما ضاع غيره.
ليس لي أن أحدثكم عن قصة هذا الهوى العظيم بين الماروني والأرض. كفاني، من هذا المرضوع، أن أقول بأن شعلة الحب بينهما لا تزال متأججة، وان كل هجر جسدي فُرض عليهما بالقوة، كان يزيد الحنين اضطرامًا والوفاء دعاما.
كان التفاهم تامًا، لأن التشابه كان كاملاً بين الإثنين: بين تاريخ هذه الأرض العريقة، وبين تاريخ هذا الشعب الحديث، بين طبيعة هذه الأرض وطبع هذا الإنسان. فقدر هذه الأرض وهذا الشعب أن يتلاقيا لمساكنةٍ لا انفكاك منها.


