لارا الهاشم
“القصّة مطوّلة”، بهذه الكلمات تختصر أوساطٌ مواكبة لحركة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان مسألة الاستحقاق الرئاسي في لبنان. على مدى ثلاثة أيام جمع لودريان أضداد ساحة النجمة كلّاً على حدة من دون استثناء أي مكوّنٍ آخذاً بعين الإعتبار توازنات الساحة السياسية وحتى الطائفيّة منها. في الشكل قادت باريس مهمّتها بميزان الذّهب مدركةً أن المدخل إلى الاستحقاق الرئاسي يمرّ ببكركي المعنيّة أولاً وأخيراً بالموقع الماروني الأوّل لاسيما في ضوء التقاطع المسيحي الواسع حول مرشّح مختلف عمَّن تُزكّيه باريس. حتى رئيس الحكومة غير المعنيّ مباشرة بالاستحقاق الرئاسي كانت له حصّة من الزيارة مراعاةً للتوازنات القائمة في بلدٍ يعيش على قاعدة “الستة وستة مكرّر”.
بحصيلةِ الأيام الثلاثة تأكّد أن لودريان لم يكن يحمل أي مبادرة وإنّما كان مصغياَ ومدوّناً للملاحظات والهواجس والمطالب ليحملَها معه إلى باريس علّه يعود بخرقٍ ما في الأسابيع المقبلة. تقول المصادر إنَّ المهمّة كانت استطلاعيّة بحتة وإنّ الرّجل كان يحتاج إلى كثير من التفاصيل التي لا يعرفها سوى من هو داخل كواليس اللّعبة مثلَ مواقف الكتل السياسيّة عن قُرب ورأي المعارضة ومسألة الإجماع المسيحي وأمور أخرى لم تكن حتى في جعبة سلَفه باتريك دوريل المُثقلٌ بكثير من ملفات المنطقة بصفته مستشار الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأدنى. ما خَلُصَت إليه الجوجلة الفرنسيّة هو أن المشهد اللبناني “مكربج” ومعقّد بحسب ما ينقله مختلف الأفرقاء عن نتيجة لقاءات قصر الصّنوبر وأنّ المهمّة صعبة وقد يحتاج نضوجها إلى وقتٍ.
ففرنسا باتت متأكّدة أكثر من أي وقت مضى أن أي رئيس تحدٍّ لن يمرّ وأن دعمها لسليمان فرنجية ضمن سلّة معيّنة خلّف نقمة لدى شريحة من اللبنانيين وبالتالي فإنَّ المبادرة الفرنسيّة تقوم اليوم بحسب مصادر متابعة على البحث عن رئيس جامع قادرٍ على تقديم ضمانات لكلَي الفريقين. وبالتالي تقول المصادر عينها إنَّ تفكير لودريان اليوم يركّز على تحديد مهمّة الرئيس الذي يريده اللبنانيّون ليصار بعدها إلى البحث عن “البروفايل” الذي يناسب هذه المهمّة. وتعتبر فرنسا أن التحاور الداخلي بين اللبنانيّين هو المدخل لأي حلّ رئاسي وسط تأكيد مصادر متابعة عِلمَ باريس أن أي حوار بهدف تغيير النظام غير وارد حاليّاً.
لكنّ حتى الحوار الداخلي لإنتاج رئيس للجمهورية دونه عقبات. فبكركي ترفض أي حوار يكرّس المرجعيّات الطائفية وتعتبر مصادرها أن الحلّ هو في الاحتكام إلى الدستور والتحاور تحت قبّة البرلمان بعمليّة ديمقراطيّة تؤدّي في النهاية إلى انتخاب رئيس في دورات متتالية. في الموازاة يعتبر جزءٌ من المعارضة أنَّ الحوار الذي يدعو إليه ثنائي أمل-حزب الله هو إعلامي ويهدف إلى تشتيت المعارضة وهو ما عبّر عنه النائب ميشال معّوض خلال لقائه بالمبعوث الفرنسي، فيما رأى النائب فيصل كرامي أن وحدها المملكة العربية السعودية قادرة اليوم على قيادة حوار فعّال نظراً لتقاطعاتها الدولية والعربيّة والإقليمية التي تخوّلها فتح قنوات مع الجميع بمن فيهم إيران. لكن إزاء هذه التعقيدات هل تضع المملكة العربية السعوديّة لبنان في سلّم أولويّاتها وسط انشغالها بسياسة “الصفر مشاكل” ونهوضها الاستثماري والاقتصادي؟ وهل تنجح مهمّة لودريان الذي يعتزم زيارة الرياض للقاء مستشار الديوان الملكي المكلّف بالملف اللبناني نزار العلولا؟ أم أن دول العالم قد تعِبت من الملفّ اللبناني وأنَّ فرنسا هي الأكثر إهتماماً كما نقلت النائبة بولا يعقوبيان عن لودريان بعد لقاء وفد نواب التغيير به.
في الخلاصة لم تقدّم القوى السياسيّة التي شكلّت محورَ جدول أعمال قصر الصنوبر حلولاً بل عَرضاً للمشاكل ولم تحمل باريس معها مسودّة حلٍّ كون مبادرتها أصيبت في مقتل قبل نضوجها. فصحيحٌ أن فرنسا لم تُسقط ورقة رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه لكنّها تيقّنت أنَّ ما بعد جلسة 14 حزيران ليس كما قبلها وأنّ هذا التاريخ عكَسَ وجودَ أكثر من مرشّح محتمل جديٍّ في وجه فرنجية، ولربما هذا ما دفع بالموفد الفرنسي للقاء الوزير السابق زياد بارود وقائد الجيش العماد جوزاف عون ولو أن بيان مديرية التوجيه اختصر اللقاء ب “البحث بالوضع الأمني ووضع المؤسسة العسكرية إضافة إلى الشأن السياسي العام”. في المقابل سمع لو دريان بوضوح من رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد ومن حلفاء حزب الله تمسُّكهم بسليمان فرنجية.
فهل يستسلم عرّابو المبادرة الفرنسيّة السابقة أمام انسداد الأفق ويعود لودريان بإسم مرشّحٍ ثالث بعيدٍ عن خياري فرنجية وأزعور في تموز المقبل؟


