خاص tayyar.org
تثبت قيادة القوات اللبنانية، عند كل مفصل، أنها أسيرة ماضيها ومشهديته التي ما غادرت يوماً معراب.
لم تفلح في تبديد هذه المشهدية القاتمة كلُّ المراجعات النقدية والمساءلات الذاتية وطلب الغفران والاعتراف بأخطاء الحرب وأهوال ما سببته تلك القيادة (سمير جعجع في قداس الشهداء في جونية -أيلول ٢٠٠٨: “في هذه المناسبة الجليلة، وبقلب متواضع، صافٍ، وبكل صدق وشفافية، أمام الله والناس، أتقدم باسمي، وباسم أجيال المقاومين جميعاً، شهداءَ وأحياءً، باعتذار عميق، صادق وكامل، عن كل جرح، أو أذية، أو خسارة، أو ضرر غير مبرر، تسبّبنا به”).
وعلى قاعدة “والضدّ يُظهر حُسنه الضدُّ”، ما فتئت قيادة القوات تجد نفسها، راضيةً- واعيةً أم غرائزياً، في الضدّ المتشدد، منذ أن كرّس جعجع هذه المعادلة يوم قبِل أن يخرج بصفقة العفو عنه لقاء العفو عن المتشددين من قاتلي الجيش اللبناني والمتهمين بقصايا إرهاب، ويوم سارع الى تأييد حكم الاخوان المسلمين في مصر، مرحّبا برئاسة محمد مرسي ومقدما لها التغطية، ويوم دعَم الجماعات المتشددة السورية (النصرة وداعش وأخواتها) في حربها على النظام السوري وتحويل سوريا إمارات ودويلات اسلامية، وفي إيجاد موطئ قدم وحضور ونفوذ لها في لبنان وتحويله ساحة نصرة وجهاد.
لكن جعجع، الثابت في نظرية حتمية التاريخ التي بنى عليها للتنبؤ بسقوط النظام السوري، والمتمسّك بالعيش في روحانية بيار تيلار دو شاردان ووجدان الفلاسفة وطهرانية اللاهوتيين ونقاوة النسّاك والحبساء في سبيل الله، انشغلت قواتّه أخيرا في تسويق كلام نظير جشّي، منتحل صفة رجل الدين، بغية توظيفه إنتخابياً، رغم ثبوت زيف جشّي وهامشيته وتبرؤ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منه. فانبرت الى العودة الى سياسة تخويف اللبنانيين من بعضهم البعض واعادة المتاريس بينهم وتوزيعهم نمطياً بين فريقين معتدل ومتطرف، خير وشرّ، حياة وموت.
هي في ذلك تتمسّك في تثبيت هويتها الميليشيوية وأصوليتها وتشدّدها، وفي تأكيد أن التقاءها السياسي مع المتشدد النائب السابق خالد الضاهر ليس صدفة أو مجرد تحالف انتخابي موقت. وهي في ذلك لا تتغيّر لو بدّلت جلدها وتلوّنت للضرورات وخلعت شكلاً الزيتي التزاما بتقيّتها السياسية.
فما الفرق، والحال هذه، بين نظير جشّي والمرشّح القواتي شادي فياض، نسبة الى الخطاب الإنتخابي المتشدد المعطّل للعقل الذي يقدّمه راهناً، مستعيدا نظرية ثقافة الحياة وثقافة الموت في ردّه على منتحل الصفة؟!


