كتب المحامي فرنسوا العلم
إذا اردت ان تعرف ماذا في لبنان عليك ان تعرف ماذا في هاييتي وأفغانستان والعراق وفيتنام وغرانادا.
في العام ١٩٨٢ وعلى إثر اغتيال الرئيس بشير الجميل وانسحاب الجيش الإسرائيلي من بيروت، حضرت الى لبنان القوات المتعددة الجنسيات، التي ضمت بشكل أساسي الأمريكيين والفرنسيين وغيرهم من القوى الغربية، وسط تهليل وتطبيل وارتفاع معنويات مجموعة واسعة من اللبنانيين المؤمنين بالتوجه الغربي.
وقد واكب هذا الحدث تصريحات عالية النبرة لقيادات وزعامات العالم الغربي، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغن، وتضمّنت جميعها الوعود السخيّة بالدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للبنان عبر “الحلفاء” المحليين.
وفي صباح ٢٣ تشرين الاول ١٩٨٣، استُهدف مقريْ القوات الأمريكية والفرنسية في بيروت بتفجيرين هزّا العاصمة اللبنانية، وأسفرا عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف العسكريين الاميركيين والفرنسيين، فاتخذت القوى الغربية على أثرها القرار بالانسحاب الفوري من لبنان.
وفي ٢٦ تشرين الاول ١٩٨٣، بدأ الانسحاب الفعلي للقوات الغربية من لبنان، تاركين وراءهم لدى المهلّلين و”الحلفاء” المحليين، مشاعر اليُتم والإحباط في مواجهة المصير القاتم، وذهبت الوعود الوردية والتصاريح النارية مع الريح.
والمصادفة الغريبة أنه في فجر ذلك اليوم، أي في ٢٦ تشرين الاول ١٩٨٣، وبدل ان تنقل وسائل الاعلام الأميركية والغربية صور التخاذل الغربي والتراجع عن الوعود والانسحاب من لبنان، قامت القوات الأميركية باحتلال جزيرة “غرانادا” رافعة كالمعتاد، شعارات رفع الظلم ونشر الحرية والديمقراطية الخ …، فنقلت وسائل الاعلام الغربية أحداث غرانادا ونَسِي الشعب الأميركي والشعوب الغربية التزامات حكوماتهم وقياداتهم تجاه لبنان، وكان ما كان من نتائج وعواقب كارثية، ما زال الشعب اللبناني يدفع ثمنها الى اليوم.
لم يكن غريبا ما حصل في لبنان في العام ١٩٨٣، فالتاريخ السابق واللاحق للعام ١٩٨٣ مليء بهذا النمط من التصرفات والسياسات، وكان آخرها ما جرى بالأمس في أفغانستان وما كاد ان يحصل مع الكرد منذ عام في شمال شرق سوريا، وقبله في جورجيا وفيتنام الخ …
امام هذه الوقائع والاحداث الموثّقة بالصوت والصورة، نستغرب اصرار البعض على تكرار التجربة، وخصوصا ممن سبق وعاشها ودفع ثمنها الباهظ، ونتوجه إليهم بالقول، انه إذا لم تكفِكم تجربتكم وتجارب التاريخ لإدراك مصالحكم وتعلّم كيفية تمييز الخطء من الصواب، فسيكون مصيركم الحتمي خسارة الجغرافيا.


