علي نور الدين: المدن –
باشرت بعثة صندوق النقد الدولي، يوم أمسٍ الثلاثاء، محادثاتها التقنيّة في وزارة الماليّة. وخلال الأسبوع الراهن، من المرتقب أن تستكمل البعثة هذه المحادثات، التي ستشمل تفاصيل قانون الفجوة الماليّة، والتعديلات المطلوبة على قانون إصلاح أوضاع المصارف، فضلاً عن المقاربات التي سيتم اعتمادها لإعداد موازنة العام 2027. وستتسم جولة المحادثات هذه بأهميّة استثنائيّة، حيث تعوّل عليها وزارة الماليّة لتحقيق تقدّم يمكن الرهان عليه، للتمكّن في مرحلة لاحقة من توقيع اتفاق مبدئي (على مستوى الموظفين) مع الصندوق.
ومن المعلوم أنّ النجاح في توقيع اتفاق مبدئي جديد، كالذي تمّ توقيعه سابقًا في نيسان 2022، سيسمح بتحديد شروط معيّنة، لتمكين لبنان من توقيع اتفاق نهائي مع الصندوق بمجرّد تحقيق هذه الشروط. غير أنّ بعثة الصندوق تريد أولاً تذليل الخلافات المتبقية حول بعض الملفّات، قبل توقيع الاتفاق المبدئي وتحديد الشروط، كي لا يتكرّر سيناريو العام 2022، حين تم الاستعجال في توقيع اتفاق كهذا من دون تنفيذ شروطه لاحقًا. وهكذا، تأتي جولة البعثة الحاليّة لتحقيق هذا الهدف بالتحديد.
إشكاليّة “تراتبيّة الحقوق والمطالب”
أكّدت لقاءات يوم أمس ما كان متوقّعًا قبل وصول البعثة إلى بيروت. إذ يبدو أنّ إشكاليّة “تراتبيّة الحقوق والمطالب”، في مشروع قانون الفجوة، لا تزال العقدة الأهم العالقة بين لبنان وصندوق النقد.
فالبعثة بيّنت أنّها تطلب تراتبيّة زمنيّة واضحة لعمليّة توزيع الخسائر: بداية من احتساب حجم الفجوة في ميزانيّة مصرف لبنان، ثم احتساب انكشاف كل مصرف تجاري على التوظيفات (وتاليًا، الخسائر) في المصرف المركزي. وبعد ذلك، يمكن الانتقال إلى عمليّة توزيع الخسائر داخل كل مصرف، وفق قاعدة “تراتبيّة الحقوق والمطالب”، ما يفرض البدء بشطب مساهمات مالكي المصارف -الرأسمال- لامتصاص أوّل شريحة من الخسائر، تمهيدًا لإعادة رسملة المصرف عبر ضخ سيولة جديدة من مساهمين حاليين أو جدد لإعادة تكوين المساهمات. بعد ذلك فقط، يمكن الانتقال للإجراءات المرتبطة بالودائع، بما فيها تلك التي يمكن أن تخفّض من التزامات المصارف للمودعين بحسب مفهوم “الأصول غير المنتظمة”. بهذا الشكل، يطالب الصندوق أن تلتزم التراتبيّة الزمنيّة للإجراءات بروحيّة التوزيع العادل للخسائر، التي تضع المودعين في آخر سلّم التوزيع، والمساهمين في أوّله.
هذه الرؤية، تتناقض حتّى اللحظة مع المقاربة التي يتبنّاها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. فسعيد كان واضحًا للغاية في مواقفه: هو يطلب البدء أولاً بتخفيض التزامات المصارف للمودعين، بحسب مفهوم “الأصول غير المنتظمة” (والتي تشمل مثلاً، في فئة الودائع الكبيرة، الفوائد والأموال المحوّلة من ليرة إلى دولار بسعر الصرف الرسمي وغيرها…). وبعد تخفيض حجم الالتزامات، يمكن قياس الفجوة، ثم احتساب خسائر كل مصرف، ومن بعدها الطلب من المصارف تأمين حاجات إعادة الرسملة. ويعتبر سعيد أنّه لا يخالف هنا مبدأ “تراتبيّة الحقوق والمطالب”، لكنّه “ينظّف” الميزانيات من “الشوائب” قبل بدء توزيع الخسائر.
على نقيض الضد، يرفض صندوق النقد هذه المقاربة، حيث يعتبرها تحايلاً يمكّن المصارف من تخفيض حجم خسائرها، وتاليًا موجباتها في عمليّة إعادة الرسملة، على حساب المودعين. بل من الناحية النظريّة، من الممكن أن تتمكّن بعض المصارف من الاحتفاظ برأسمال إيجابي، بعد تخفيض حجم التزاماتها للمودعين، بحسب قاعدة “الأصول غير المنتظمة”، ما يعفي أصحابها من حصّة معتبرة من الخسائر. وفي جميع الحالات، يطالب الصندوق بأن يتم حصر نطاق تخفيض حجم الودائع، في كل مصرف، بالقدر المطلوب لمعالجة خسائر هذا المصرف، بعد تنفيذ عمليّة إعادة الرسملة.
في جميع الحالات، تجدر الإشارة إلى أنّ مشروع القانون الذي أحالته الحكومة ينص على احترام “تراتبيّة الحقوق والمطالب”، ويوحي باعتماد التراتبيّة الزمنيّة التي يطلبها الصندوق. غير أنّ بعثة الصندوق ما زالت تخشى تفسير مضمون القانون لاحقًا، وفقًا للمقاربة التي يطلبها حاكم مصرف لبنان، خصوصًا أن بيانات الحاكم أعطت إشارات بهذا الاتجاه. ولهذا السبب، تطلب بعثة الصندوق اعتماد صياغة أوضح، بما يشير إلى التراتبيّة الزمنيّة لإجراءات التدقيق وإعادة الرسملة وتوزيع الخسائر.
مسؤوليّة الدولة
لم يحدّد مشروع قانون الفجوة الماليّة قيمة ثابتة لمسؤوليّة الدولة في عمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بل نصّ على مبدئين: أولاً، اتفاق وزارة الماليّة مع المصرف المركزي على الديون المتنازع عليها بين الطرفين، على أن يصادق مجلس الوزراء على هذه التسوية لاحقاً. وثانيًا، أن تلتزم الدولة في السنوات المقبلة بإعادة رسملة مصرف لبنان، بما يحمّلها نسبة من العجز الحالي في الميزانيّة.
يحمل الصندوق هاجس استدامة الدين العام، أي إبقاء الدين عند مستويات قابلة للسداد خلال السنوات المقبلة، لضمان عدم تعثّر الدولة بعد إعادة هيكلة ديونها السياديّة. ولهذا السبب، يطالب الصندوق بنص واضح يحدّ (أو يحدّد) مستوى المديونيّة التي ستتحمّلها الدولة، كنتيجة لعمليّة معالجة الفجوة الماليّة. ومن بين الأدوات التي يمكن اعتمادها لهذه الغاية، تعطيل المادّة 113 من قانون النقد والتسليف، لضمان عدم تحويل الفجوة -بعد لحظها- إلى ديون عامّة على المدى البعيد.
من ناحية أخرى، يذهب حاكم مصرف لبنان بالاتجاه المعاكس تمامًا. فهو يطالب الدولة حاليًا بمبلغ يصل إلى 58 مليار دولار، بما يشمل الدولارات التي باعها مصرف لبنان تاريخيًا للدولة اللبنانيّة، وتلك التي تم استعمالها لتمويل الاستيراد في مرحلة تعدّد أسعار الصرف. مع الإشارة إلى أنّ هذه الديون المزعومة لا تستند إلى أيّ مصادقة من مجلس النوّاب، كما لم تنتج عن عقود دين بين الدولة والمصرف، وفقًا للشروط التي يحدّدها قانون النقد والتسليف لعمليّة استدانة الدولة من المصرف المركزي.
ملفّات أخرى
المباحثات الجارية حاليًا تطال ملفّات أخرى، مثل أصول إعداد موازنة العام 2027. إذ يطلب صندوق النقد أن تشمل هذه الموازنة جميع نفقات الدولة المتوقّعة خلال العام المقبل، بما فيها تلك المتعلّقة بخدمة الدين، بالإضافة إلى النفقات المموّلة من قروض خارجيّة أو برامج تمويل المؤسّسات الدوليّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ صندوق النقد كان قد أبدى هذه الملاحظات بخصوص مشروع موازنة العام 2026، من دون أن لحظها عند مناقشة الموازنة في المجلس النيابي. كما يدخل في صلب المحادثات الجارية حالياً إطار الماليّة العامّة المتوسّط الأجل، الجاري إعداده حاليًا في وزارة الماليّة، والذي يفترض أن يضع تصوّر الدولة لكيفيّة إدارة مواردها خلال السنوات المقبلة (أي بما يتعدّى النطاق الزمني للموازنة، المُحدد بسنة ماليّة واحدة).
أخيرًا، من المرتقب أن تتابع البعثة مواقف الكتل النيابيّة، من مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة لتقويم وتعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف. فهذه التعديلات أخذت بعين الاعتبار ملاحظات الصندوق السابقة، التي طلبت ضبط حق الطعن بقرارات الهيئة المصرفيّة، كي لا تتم إساءة استعمال هذا الحق لتعطيل قرارات إعادة الهيكلة. كما طلبت تقويم تركيبة الهيئة المصرفيّة العليا، لإبعاد الأعضاء الذين يمكن أن يتأثّر تعيينهم برأي جمعيّة المصارف، ما يمكن أن يشكّل تضاربًا في المصالح.