حبيب البستاني-أكثر من سؤال يطرحه التيارييون على أنفسهم ولعل أبرزها مصير العلاقة والتفاهم بين التيار والحزب، وهل ستفرق الانتخابات الرئاسية ما جمعه تفاهم مار مخايل؟ هذا الاتفاق الذي برهن متانته وصلابته وتعمد بمعمودية حرب ال 2006 التي أظهرت عمق العلاقة بين الفريقين.
من المعروف أنه في السياسة لا تفاهمات دائمة ولا خصومات دائمة، وإن ما يتحكم بالعلاقة بين الأفرقاء السياسيين هو عمق التفاهمات وشمولها معظم القضايا السياسية لا سيما منها الملفات المفصلية والتي إذا ما تم الاتفاق عليها فإنها تؤمن مصلحة الفريقين، فلا يوجد في السياسة تفاهم يؤمن مصلحة فريق دون الآخر، وكذلك ففي التفاهم لا يوجد رائد وتابع ولا وجود لحرف “جر” بل هنالك رؤيا مشتركة نحو هدف واحد، وإلا فإننا ندخل حينها في منطق الإكراه ونبتعد عن منطق التفاهم ويصبح الطلاق أبغض الحلال، لا سمح الله.
مع الابتعاد عن مار مخايل والعام 2006 وبعد السنوات الذهبية للتفاهم الذي تُوِجت بانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في العام 2016، بدأنا ندخل في المراوحة وبدا تفاهم مار مخايل وكأنه صنع لحقبة معينة وبهدف معين يقوم على حماية ظهر المقاومة من جهة ودعم التيار الوطني الحر سياسياً من جهة أخرى، ومن منطق بسيط يقول أن ما لايتطور يتأخر بدأ الاتفاق يعاني من الوهن والترهل، وذلك بفعل عدم القيام بتطويره بحيث يتخطى الملف الاستراتيجي الذي تم إظهاره بشكل ممتاز إلى الملف السياسي والممارسة السياسية، الذي عانى من عثرات ومطبات ولم يكن بمستوى التفاهم الاستراتيجي.
المسؤوليات
وهنا وبعيداً من تحميل هذا الفريق أو ذاك الإخفاقات والعثرات التي حدثت، فإن معالجة الأمور بالإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي التي تبرز المشاكل والمعضلات ولا تتعاطى بصورة موضوعية لوضع الحلول الناجعة لها لن تجدي نفعاً، فهذه المعالجة لن تتم إلا داخل الغرف المغلقة وفي الاتصالات المباشرة بين المسؤولين أنفسهم بحيث يتم التطرق إلى مختلف المواضيع الشائكة بشكل مباشر وصريح وموضوعي. وبعد ذلك يتم الإعلان عن النتيجة بعد ظهور الدخان الأبيض وليس قبله.
الانتخابات الرئاسية معضلة المعضلات
تعتبر الانتخابات الرئاسية من أكثر المواضيع صعوبة وحساسية لكلا الطرفين، سيما وأن أكثر من إعلامي محسوب على هذا الطرف أوذاك قد أدلى بدلوه في هذا الموضوع وقال فيه “ما لم يقله مالك في الخمرة”. ويعتبر هذا الموضوع هو المدخل الرئيسي لتعزيز “التفاهم” فمن دونه لا معنى للتفاهم بالنسبة للتيار وجمهوره، الذي يعتبر أن معظم الملفات التي تطرق إليها فخامة الرئيس عون إبان ولايته والتي بدأ بوضع الحلول لها على السكة الصحيحة هي بحاجة إلى استكمال لتأتي بالمردود المرجو منها. من مكافحة الفساد وخطة الكهرباء واستخراج الغاز، إلى إلغاء الطائفية وإرساء الدولة المدنية، إلى إنشاء أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار وغيرها من المشاريع التي أطلقها فخامة الرئيس والتي جوبهت بالعرقلة والتعطيل والتي هي فعلاً بحاجة لرئيس جمهورية يؤتمن عليها.
من هنا فإنه وكما أن التيار لا يمكنه أن يسير بمرشح يختاره الحزب بصورة أحادية وذلك تبعاً لضرورات استراتيجية، فإن الحزب لا يمكنه السير بمرشح يضعه التيار بمعزل عن احترام خصوصيته. وهكذا فإن التيار كما الحزب تتحكم بهما مصلحة مشتركة لاختيار رئيس يلبي حاجة الحزب في الأمور الاستراتيجية من جهة، ويلبي حاجة التيار في استكمال الملفات الداخلية التي تهم التيار من جهة أخرى.
كاتب سياسي*
بين التفاهم والطلاق


