ما مصير السباق الرئاسي.. وماذا يخبّىء له باسيل!؟

جوي جرجس- فعلها رئيس المجلس النّيابي ودعا إلى جلسة انتخاب رئيس للجمهوريّة بشكل مفاجىء، بالرّغم من أنّه كان قد صرّح في جلسة الموازنة أنّه لن يدعو لجلسة انتخابات رئاسيّة ما لم يلمس توافقًا على اسم مرشّح جاهز للوصول وذلك حين سألته النائبة بوليت يعقوبيان عن سبب عدم دعوة المجلس لهكذا جلسة بعد، خاصةً أنهما، أي بوليت ورئيسها بري، كانا ينتظران أيلول وما بعده، بفارغ الصبر والحماسة لانتخاب رئيس جديد ولطيّ صفحة عهد الرئيس عون بحسب مشاعرهما المتبادلة من على منبر المجلس.
إلا أنّ بري ناقض نفسه ودعا لجلسة أولى بالرغم من عدم وجود توافق على أي إسم بين القوى السياسية الأساسية ولا حتى بين الحلفاء السياسيين. لقد استعجلت القوى السياسية النقاش فيما بينها وارتأت قوى ١٤ شباط أن تجيّر أصواتها لميشال معوض، بعد أن سعى سمير جعجع لدى هذه القوى لتبنّي ترشيح معوّض في الجلسة الأولى. ومن المعلوم أنّ جعجع يدرك جيدًا ألّا أمل لمعوّض بالوصول خاصةً بهذه الطريقة. لقد دفع به إلى الواجهة لإحراقه من خلال نيله ٣٦ صوتًا فقط لا غير من أصوات النّواب المشاركين في الجلسة.
بالمقابل رأت قوى الثّامن من آذار أنّ التصويت لمرشح منها، لا يضمن الأكثريّة اللازمة للفوز، سيعرّضه للسخرية والمقارنات بين أعداد الخاسرين، ففضلت استخدام الورقة البيضاء انسجامًا مع قرار التيار الوطني الحر الذي كان قد أعلن أنّه لن يصوّت لأي مرشح في هذه الجلسة. بذلك تكون قوى الثامن من آذار بالإضافة للتيار الوطني الحر قد صوّتوا ب٦٣ صوت للورقة البيضاء بانتظار تبلور توافق لاحق على اسم إذا استطاعوا. كذلك كان نواب ما تبقّى من تيار المستقبل والسنّة المقرّبين منسجمين فيما بينهم ومتوافقين على ١٠ أصوات ل “لبنان” بانتظار ما سيأتي من قرار يحسم خيارهم من خارج حدود لبنان في المرحلة المقبلة. أمّا النّواب التغييريّون فتوجّهوا للتّصويت لسليم اده ابن ميشال اده بعد أن كان توجّههم ليل أمس باتجاه صلاح حنين. ويُحكى أنّ حنين لم يصبح اسمه من الماضي بل هو مشروع اسم توافقي مستقبلي بين القوى التّغييريّة والحزب التّقدمي الاشتراكي الّذي طرحه على التغييريين لتبنّيه. وهو يسعى بذلك لكسب أكبر تأييد له في المرحلة المقبلة بين القوى الحليفة والصديقة وغير الصديقة إذا أمكن. لذلك تمّ تأجيل طرحه جديًّا في المجلس لألّا يحترق باكرًا.
كلّ ما سبق في كفّة، وما في جعبة باسيل في كفّة أخرى. يتساءل كثر ما الذي يخطط له ذاك المحنّك الذكي المشاغب لمواجهة تآلف قوى ١٤ شباط ومشروع توافقهم مع التغييريين، كما ومواجهة مرشح نبيه برّي الأوحد النائب السابق سليمان فرنجية الّذي سيقوم بري بكل ما يلزم من ضغوطات ومحاولات حشر لأصدقاء وحلفاء ومقرّبين منه لتبنّي خياره، فيترك بري مسعاه مع جنبلاط والنواب السنّة المقرّبين من المستقبل إلى وقت لاحق لأنه يعتبره أسهل المتطلّبات. وكما استطاع أن يمون عليهم بالاقتراع له برئاسة البرلمان سيمون عليهم في الوقت المناسب للاقتراع لمرشّحه الرئاسيّ سليمان فرنجية. أما حزب الله فموقفه وقراره مربوطان بالتّوازن بين تحالفه مع التّيار الوطني الحرّ الّذي لن يخاطر به كما يؤكّد بشكل دائم أمام سائليه، وتحالفه المتين والتّكاملي مع بري وفرنجية من جهة أخرى، مما يضعه في موقع المُحرَج الّذي يتمنّى التوافق بين كل حلفائه لتجنيبه المخاطرة بأي خيار أو انتظار الظّروف السياسية المناسبة لتبلور توافق اضطراري بين جميع القوى السّياسيّة فيرفع عنه هذا العبء ويركب قارب الحلّ والإجماع في حينه.
أمّا باسيل الذي ينتظره الجميع لمعرفة إلى أين ستتجه به بوصلة الرئاسة، فلديه ما هو مُعلن حتى الآن وما ليس معلنًا بعد. كان باسيل سبق وأكّد أنّ خيار التّصويت لفرنجية غير موجود في عقله وقناعاته، ولن يذهب إليه ولن يقوم حزب الله بالضّغط عليه بهذا الخيار لأنّه يعرف مسبقًا بأنّه لا يتنازل عن قناعاته. كذلك كان باسيل قد أكّد أنّ التكتل أعدّ ورقة بمقاربة مختلفة للموضوع الرئاسي سيتحدث عنها الأسبوع المقبل، كما وأكّد عدم تنازله عن مسلّمات أصبحت ثابتة عند التيار وهي أنه على الرئيس التّوافقي أن يحظى بتمثيل شعبيّ وازن مسيحيًّا ووطنيًّا سواء بالمباشر أو بالتّجيير. 
بذلك يكون باسيل قد فتح الباب على أيّة تسوية مع باقي الأطراف على إسم توافقيّ يجيّر له التمثيل الشعبي من خلال تأييد التكتل له وتبنّي ترشيحه، ومن خلال التوافق الوطني عليه بين مختلف الأفرقاء.
وهذا الإسم التوافقي لن يكون فرنجية بطبيعة الحال، وأسباب رفض تبنّيه كثيرة، منها أسلوب عمله كمرشح رئاسيّ وفوقيّته بالتّعاطي مع التيار صاحب التكتل النيابي الأساسي الأكبر كما الممر الأهم لأيّ مرشح نحو الفوز. بالإضافة إلى عدم وجود برنامج عمل سياسي رئاسي لفرنجية يشبه تطلّعات التّيار ومنها محاربة الفساد والتّدقيق المالي الجنائي ومواجهة المنظومة الفاسدة من داخل المؤسّسات والعمل على عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ورفض التوطين والتجنيس واستكمال العمل على استخراج الثروة النفطيّة والغاز من البحر (وكان فرنجية قد صرّح علنًا في السّابق ألا وجود لهكذا ثروة وأنّ لبنان ليس بلدًا نفطيًّا) وتقوية القضاء وتحصينه لا تغطية المجرمين والفاسدين والهاربين من وجه العدالة بقضايا فساد أو جنح … لا أحقاد شخصية ضد فرنجية عند باسيل الّذي وافق على جلسة المصالحة معه في الإفطار الشهير بطلب من أمين عام حزب الله، وكان باسيل قد أشاد بفرنجية على الإعلام في مناسبات عدّة لكسر الخلافات التراكمية السابقة. لكنّ المسامحة وتخطّي الماضي لا يعني نسيانه. فلا يمكن لباسيل أن ينسى كيف دعا فرنجية الرئيس عون إلى قتله (قتل صهره) ليصبح زعيمًا فعليًّا كموسوليني بنظره. ولا يمكن لباسيل أن ينسى أيضًا أنّ فرنجية كان عضوًا في تكتّل التّغيير والإصلاح وغدر بالجنرال عون وقام بصفقته الشّهيرة مع الحريري وبري للوصول إلى الكرسي الرئاسي متخطيًّا الجنرال. كما لا يمكنه نسيان أنّ فرنجية رفض الذهاب لتهنئة الرّئيس عون في بعبدا بعد فوزه وكان قد رفض التّصويت له بالرغم من التوافق الحاصل مع خصوم للتيار كالحريري وجعجع وآخرين. ولن ينسى باسيل أنّ فرنجية حارب الرئيس عون طوال مدّة عهده كما طالب بحقائب وزاريّة أكثر من حصته الطبيعية وعرقل وهاجم الرّئيس وحمّله مسؤوليّة الانهيار وألبس العهد مسؤوليّة كلّ المصائب ولم يترك مجالاً للودّ أو التّفاهم والوئام. ولن ينسى أيضًا كميّة الإهانات والتّحقير الّذي تلقّاه من سليمان فرنجية وابنه النّائب طوني فرنجية وفريقه السياسي على مدى أكثر من ٦ أعوام. فلو حصلت مصالحة وطوى باسيل الخلاف الشّخصي، لكنّه لن ينسى هذا كلّه، لا بسبب الحقد إنّما للمحاسبة وتقييم العلاقة وتطويرها بالاتّجاه المناسب في المرحلة المقبلة. لا يريد باسيل الخلاف مع فرنجية بل يريد التوافق والتفاهم على اسم مرشّح رئاسي يمثّل قناعات التيار الوطني الحر وبرنامجه الإصلاحي ومفهومه لبناء الدولة وتطوير النظام وتبنّي اللّامركزية الإدارية والماليّة والقوانين الموحّدة للأحوال الشّخصية. هو يريد رئيسًا لا يخضع لمشيئة بري بأيّ ملف إصلاحي إقتصادي أو مالي، ولا يتنازل عن حق رئيس الجمهورية بالشراكة بتأليف الحكومات ولا بالتوقيع على ما يسقط عليه من تشكيلات بين أطراف سياسية أخرى. يريد باسيل استكمال وتكريس معادلة الرئيس القوي حامي المؤسّسات والمصرّ على القيام بموازنات سنويّة وقطع للحساب وتعيينات فيها تكافؤ وتوازن وكفاءة لا تنازلًا واستضعافًا كما كان الحال في العهود السّابقة. قد يحمل باسيل في جيبه لائحة من الأسماء المناسبة لكلّ تلك المواصفات، ويطرحها بشكل أو بآخر دفعة واحدة أو على مراحل على الوسطاء المعنيّين برسم التّوافق بين القوى السياسية، أو أمام الرأي العام، أو ينتظر تبلور حلّ كامل وشامل مع مؤتمر تأسيسيّ يطوّر النّظام ويخلق حلولًا للمعضلات الدّستورية العقيمة ويضع مهلًا محدّدة للاستحقاقات المختلفة وتعديلات أساسيّة تحلّ مكان الفجوات الدستورية المعطّلة لأيّ تقدّم وإصلاح وتغيير من داخل المؤسّسات.
يبقى أنّ الثّابت الوحيد حتى اللّحظة ألا حلًّا ولا توافقًا ولا انتخابًا لرئيس جديد ما لم يخرج الدّخان الأبيض من مكاتب سنتر ميرنا الشالوحي.

You might also like