في البحث حول تعريف المجتمع المدني في لبنان، يتوه الباحث في فراغ كبير. أهي مجموعة مؤسسات غير حكومية تتحد في سبيل قضية معيّنة قد تكون الاستيلاء على السلطة؟ أم أنّها كل ما يعارض السلطة من مستقلين وباحثين عن دور سياسي ما من حق أي كان أن يطمح إليه.
الأكيد أن أي تعريف قد نصل إليه فيما يخصّ شرح المجتمع المدني جسدًا ومفهومًا، لن يضم بداخله أحزاب سياسية ذات مشاريع حكم وايديولوجيّات محدّدة، ومن هنا تكون البداية.
في كل الدول الأجنبية والاوروبية بشكل خاص، يتمتع المجتمع المدني بخصوصية كبيرة حيث ينكب على العمل من أجل هدف محدد وفق زمن معين وبشكل مدروس. على سبيل المثال، نرى المجتمعات الأوروبية مهتمة في التغيير المناخي وتأثيره على الكرة الارضية كما نرى مجموعات أخرى تعمل من أجل تحديث قوانين مكافحة الفساد في الدولة.
أما في لبنان فالوضع يختلف تماما والمجتمع المدني بات أقرب مثال لاحزاب البلد.
بدل من تدخل الدول الاجنبية بقرارته والهائه بمشاكل العراق وسوريا، دخلت السفارات الاجنبية عبر جمعيات خيرية تابعة لها، تموّل نشاطات اجتماعية في المناطق اللبنانية النائية بإسم المجتمع المدني والمنظمات الغير حكومية. وتؤكد نفس المجموعات أن التنسيق بين المجتمع المدني والجمعيات التابعة للسفارات الأجنبية ، هي نفسها التي كانت تعمل على التنسيق بين الأحزاب السياسية قبل وخلال ثورة ١٧ تشرين.
وفي هذه الحالة، تستغل الاحزاب اللبنانية المعارضة لسياسة الرئيس عون وفريقه السياسي دعم الدول الأجنبية للمجتمع المدني في لبنان لتفكيك بينهم والهائهم بملفات ضيقة ومناطقية من أجل وضع حد لتأثيرهم على الانتخابات النيابية المقبلة.
بينما يظن المجتمع المدني، وتحديدًا في دائرة الشمال الثالثة وبيروت الاولى أنه سيتمكن من صنع انجاز تاريخي عبر قلب الطاولة على السياسيين التقليديين.
أما اذا قررنا تفنيد الواقع، نرى أن في عكار ودائرة الشمال الثالثة وبيروت الأولى على سبيل المثال، الاحزاب اللبنانية التي عايشت الحقبة السورية وزعماء المناطق في حينها هم نفسهم يمولون المجتمع المدني بالمعلومات ولوائح الشطب وحتى في التمويل الحملة من أجل تحقيق خرق بالحاصل الانتخابي وليس بالنتائج ظنًا أنهم في هذه الطريقة سيكون دور الجمعيات والمجتمع المدني دور باضعاف التيار بالدوائر الانتخابية الأساسية.
أما في الواقع، وبعدما رفض المجتمع المدني التنسيق مع الرئيس عون في ثورة ١٧ تشرين وتحويل الثورة الى ابواق حزبية تشتم وتقطع الطرقات، تفتت المجتمع المدني الى مجموعات صغيرة منقسمة على بعضها. فبعدما كان لهم فرصة حقيقية أن يكونوا أمل للبنان، اليوم نراهم منقسمين مشتتين لا أمل باستمرار وجودهم بعد الانتخابات النيابية ٢٠٢٢.
والعبرة من الثورة، كما استخدمت القوة السياسية من بينها تيّار المستقبل والقوات اللبنانية ووليد جنبلاط ونعمت افرام المجتمع المدني من عكار الى الجبل في ١٧ تشرين، وبعد انهيار البلد عادوا وتموضعوا في أحزابهم، بعد خسارة المجتمع المدني الانتخابات النيابية المقبلة سيلقون نفس المصير من نفس الأحزاب.


