أخباركم – كتب ميشال ن. أبو نجم: لم يكن الشعار الذي رفعه رئيس التيار الوطني الحر في مؤتمره السنوي هذا العام “صلابة – مرونة – إنتاج” إلا تعبيراً عن بنية “التيار” وواحدة من صفاته التكوينية التي تميّز حركته وسلوكه إزاء الظروف المتقلبة والمتغيرة والتحديات التي واجهها ولا يزال، منذ أن انفجرت الحالة الوطنية المؤيدة لمؤسسه العماد ميشال عون في العام 1989. ومرونته وصلابته في آن، هما ما يوجهان حركته ومقاربته للإنتخابات النيابية القادمة.
…
يعلم “التيار” وجبران باسيل علم اليقين بأنَّ الخصوم المتعددين والذين يتجاوزون كل الخلافات والصراعات، بما فيها التسبب بإسقاط دماء الأبرياء، كما حصل في الطيونة نتيجة الغليان الذي مارسه الثنائي الشيعي ورد القوات اللبنانية بهذه الطريقة الدامية، ينتظرون جثته لتطفو على ضفة النهر.
هُم أساساً ينتظرون…
ينتظرون منذ 13 تشرين 1990 حينما اعتبروا جميعهم أن سقوط المنطقة الحرة تحت تغطية الطيران الإسرائيلي والمباركة الأميركية للسوخوي السورية، يعني إلغاء حالة ميشال عون. كرروا الخطأ نفسه في التسعينات حينما ابتدعوا شعار “عونيون بلا عون” محاولين استيعاب الحالة الشابية الرافضة للإحتلال ولتشويهات الحرب اللبنانية ولسلوكيات الميليشيات التي سيطرة على الدولة بعد انقلاب 1992 وسطت عليها وجوّفتها، بالتكافل والتضامن مع سلطة المال التي مثلتها الظاهرة الحريرية الوافدة إلى الحياة السياسية اللبنانية.
فشلوا…
بعد انسحاب الجيش السوري الذي والوه وخضعوا له وتقاسموا مع خدام – كنعان – الشهابي تركة الدولة اللبنانية، في العام 2005، أرادوا إلغاءه. وصفوه بالتسونامي وبالفعل كان ما وصفوه. نسجوا تحالفاً رباعياً دفع بالسيد حسن نصرالله إلى استحضار شعار الرئيس الشهيد بشير الجميل في الـ10452 كلم في تودد للمزاج المسيحي في دائرة بعبدا – عاليه.
قال لهم ميشال عون: “أنا لا أُحَاصر. أخرج بهليكوبتر”
ومجدداً فشلوا…
أعادوا الكرة في العام 2009 مستعملين مليار دولار لكسره، وطبعاً مستفيدين من تداعيات ومخاوف كل الإضطرابات الأمنية والحرب نصف الباردة بين اللبنانيين، بعد الإغتيالات و7 آيار وشهود الزور وتفاهم مار مخايل بين قوتين يمثلان ما يمثلان في الوجدانين المسيحي والشيعي، والوطني، ففشلوا. كبرت كتلته النيابية وكرّس وجوده في الحكومات لا بفضل حزب الله كما يتهمه الخصومه، بل بحجمه التمثيلي الأقوى، معطوفاً على مواجهة قاسية مع أركان طبقة الـ1992 الأخطبوطية والعميقة الجذور في الإدارات والوزارات، وما جوفته واخترعته من إدارات ومجالس وأجسام طفيلية لا علم لها سوى “شفط” أموال اللبنانيين لإرضاء المحاسيب والزبائن.
“فرصة” 17 تشرين لخصوم “التيار”
بفعل التوازنات المستجدة التي ضربت مفاعيل الإنقلاب على الطائف، لم يستطيعوا إلغاءه. فشلوا في منعه من الوصول إلى رئاسة الجمهورية المستحقة بفعل تمثيله الواسع في مكوّنه، لكنهم كَمنوا له.
وفرت انتفاضة 17 تشرين الناتجة أساساً من سرقاتهم وصفقاتهم والديون التي أورثوها للأجيال التي ثارت عليهم، وأخذت في طريقها من نبهها إلى أساليبهم، الفرصة الجديدة لمحاولة التطويق والإلغاء. لبسوا ثياب العفة متنصلين من تركتهم الثقيلة، فحموا رياض سلامة وضربوا خطة التعافي المالية مع حماة المصارف – وما أكثرهم – وعرقلوا التدقيق الجنائي، وما زالوا يحاولون استنزاف ولاية ميشال عون حتى اللحظة الأخيرة، وعلى الرغم من تقليص صلاحيات الرئاسة. لكنهم يخشون اللاعب الجديد الذي لا يمكنهم التفاهم معه بعدما أضاء الغرفة المظلمة التي ارتكبوا فيها ما ارتكبوا…
وأتت مجزرة الطيونة، التي تقاطع فيها الثنائي الشيعي مع القوات اللبنانية واختلطت الهواجس والمخاوف وفائض القوة، لتنتج لنا دماء على الطريق واستحضاراً لحرب اعتقد اللبنانيون أنها ذهبت، كما أظهرت بوضوح تقاطع المصلحة بين نبيه بري وسمير جعجع، الذي برأ رئيس المجلس وحركة “أمل” وحيّدهما عن المسؤولية مصوباً السهام في اتجاه حزب الله وحده.
“التيار” يراقب
وها هم ينتظرون محطة انتخابات 2022. وسيفشلون…
التيار الوطني الحر يتابع بعناية مخططات خصومه. هو بات متمرساً بلعبة الصعود والتراجع والتعاطي مع مزاج الشارع اللبناني. ولا ينسى العونيون أنهم كانوا لوحدهم طوال 15 عاماً تحت ضغط احتلال قاس وسلطة موالية له. وعلى الرغم من كل القمع والضغوط والتخوين خاصة بعد إقرار قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، صمدوا وأنتجوا حالة شبابية تعبر الحواجز التقليدية وتقدم نموذجاً لعمل سياسي نضالي وجامع في بنيته بين اتجاهات لبنانية سياسية وفكرية متعارضة.
هذه الحالة، هي اليوم تراقب إعادة إنتاج الروح الميليشيوية واستعادة منطق البندقية التي ذاق المسيحيون خصوصاً الطعم المر لتحولها من بندقية دفاع عن الوجود إلى مشروع سلطة ينحر كل من يقف في طريقه ويودي بالمسيحيين إلى الهاوية السحيقة.
عوامل القوة
صحيح أن التيار الوطني لحقت به تراجعات ناتجة من عوامل متشابكة، لكنه يرى نفسه ممتلكاً الكثير من عوامل القوة البنيوية والظرفية.
في الظرف السياسي، سيبقى تلاقي خصومه من ضفاف متعددة، والتواطؤ العلني بين القوات اللبنانية وحركة “أمل”، من دماء الطيونة إلى تصفيق جورج عدوان لنبيه بري في البرلمان، دليلاً إضافياً إلى أن الوجه البراق الذي تحاول “القوات” لبوسه أجوف وواهٍ. فلا يمكن للقوات ولو فصلت شانتال سركيس للتعاطي مع المجتمع المدني أن تدعي أنها قوّة تغيير ومعارضة في الوقت الذي تتلاقى فيه موضوعياً مع نبيه بري، في التعاطي مع ملفات قانون الإنتخاب وغيرها. ولا يمكن أن تقول إنها تحمي المسيحيين من خلال حديث رئيسها سمير جعجع عن ميني 7 آيار مسيحي في الوقت الذي تتغاضى فيها عن دور ميشال عون في تكريس دور رئاسة الجمهورية في إنتاج السلطة التنفيذية، والأخطر والأكثر وضوحاً، أن يصبح ملف الإستماع إلى جعجع مادة للمقايضة بين الطيونة وشهداء انفجار المرفأ.*
أما تنظيمياً، فالعونيون تلقفوا أخطاء خصومهم بارتياح. قاعدتهم أساساً لا تحب ثوب السلطة وإن أغرت بعضهم منافعها. عندما يرون تحالف القوى الآتية من ماضي الحرب ستتصاعد عصبيتهم ضد أشباح الماضي البغيض الذي عرفوه، خاصة في مناطق جبل لبنان. في المقابل، لم تنتج قوى المجتمع المدني الفضفاضة حتى الساعة، رافعة سياسية تغييرية يمكن التعويل عليها أو أن تطرح نفسها بديلاً من السلطة الحالية.
وفي الوقت الذي تتلاقى فيه قوى الحرب من خلال صنع الدماء واستثمارها، يعوّل التيار الوطني الحر على تحفيز قدراته التواصلية والإنفتاحية في الإتجاهات المختلفة، وتحويل التطويق الإنتخابي إلى أكبر عملية تواصل مع المجتمع اللبناني بشرائحه كافة.
يعرف التيار الوطني الحر جيداً أنه لا يملك الحل السحري ولا الأكثرية في بنية متعددة الطوائف، وقد أدرك في العمق خطورة رفع الشعارات الكبيرة من دون امتلاك القدرة التنفيذية اللازمة. لكنه وببساطة يستطيع القول أمام اللبنانيين أن أجر من سعى وقاوم وحارب منظومة الطائف بالقضم وتدريجياً، لا بالضربة القاضية، يبقى بما لا يقاس أكبر بكثير من “أتعاب” من لا يمتلك سوى الندب والبكاء على الأطلال وسيلة للتعاطي مع أخطر أزمة عرفها لبنان وأنتجتها “سلطة الروليت الروسية” العابرة للحدود اللبنانية السورية بعد العام 1990…


