داليا داغر عبر “ضروري نحكي”: كيف يمكن أن نغلب موت وطننا؟

مقدمة برنامج ضروري نحكي مع داليا داغر:

في الطريق القصير الطويل بين الساحل الجميل والجبل الجميل أيضاً كنت أفكر بأمر واحد..
وأنا ألعب مع حفيدي بالبالونات كنت أفكر أيضاً بهذا الأمر الواحد..
ثم وأنا أبحث مع الصبايا في وسائل مواصلة عملنا الاجتماعي الإنساني شردت عنهن وعدت إلى ذلك الأمر الواحد..
وحين أتيت لأكتب مقدمتي لم أجد مفراً من مصارحتكم بهذا الأمر الواحد:

كيف يمكن أن نغلب موت وطننا؟

حين أمسك حفيدي البالون كان كمن يلتقط حلماً؛ فرحة ما بعدها فرحة، ثم بعيد دقائق فلت الخيط من يده ورآه يبتعد صوب السماء فكانت فرحته به وهو يبتعد كبيرة أيضاً. هكذا هم الأطفال؛ أما نحن فقد أنهكتنا التجارب؛ نحن من جعلوا من حياتنا حقل تجارب لكل شيء:كيف يمكن دون مياه ودواء ومحروقات ومال وكهرباء وفرص عمل وهامش مناورة أن نكون رسل أمل؟

كيف يمكن لجيلنا؛ جيل المهجرين؛ الذي رأى كل شيء، الجيل الذي سار درب الجلجثة وقبر ولم يقم في اليوم الثالث؛ كيف يمكن لجيلنا أن يواصل التبشير بقيامة الوطن؟ كيف يمكن لجيلنا الذي رأى أمراء الحرب يغيرون مع ميليشياتهم ثيابهم دون تغيير نفسياتهم وأدائهم أن نتمسك بالأمل؟ من أين لنا أن نرفع كؤسسنا ونهتف بثقة المؤمن إننا نرقد على رجاء القيامة؟
ماذا أقول لذلك الأب الذي يوقفني عند مدحل الدكان وهو محمل بكل أنواع الخيبة من الأسعار ليسألني ما إذا كان ثمة أمل؟
ماذا أقول لتلك الأم التي زارت تسعة عشر صيدلية بحثاً عن دواء لابنها ثم صادفتني في الصيدلية العشرين لتسألني ما إذا كان ثمة أمل؟

كل ما يريده اللبنانيّ ليتحمل أكثر هو مؤشر عمليّ واحد يقنعه بوجود أمل؛ بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم أو الأمس.
في الطريق الجميل ومع الحفيد الأجمل، ثم مع صبايا “فوق سطوح بيروت” ثم وأنا اكتب كنت أتقدم في التفكير: الأمل مرتبط بالقيامة، لكن هل يمكن لهذه الرقعة الجغرافية الواقعة على فوهة البركان أن تقوم فعلاً بيوم من الأيام؟

في التاريخ والجغرافيا والأبحاث والمطولات السياسية والإيمان الحزبيّ والعقائد هناك الكثير من الأمل؛ أمل على الورق. لكن عملياً لا شيء من هذا كله يفيد، فالقيامة كما الأمل لا يمكن أن يرتبطا بأي شيء غير المواطن نفسه؛ ذلك الذي يذل لميلأ خزانه بالوقود، تلك التي تذل لتؤمن الدواء أو الحليب لأولادها، أولئك الذين صودر جنى أعمارهم وكل من يدّفع أخطاء غيره؛ أولئك هم الرهان الوحيد للأمل والقيامة. ردة فعلهم تقرر المستقبل سواء استسلاماً للانهيار أو انتصاراً عليه.

لسائق التكسي الذي لم أجبه في الطريق من الساحل إلى الجبل؛ للحفيد الذي يربكني بابتسامته وكل الأحلام، للأم، للأب، للشباب الذين يواصلون إرسال سيرهم الذاتية بكل الاتجاهات، للناشطات في “فوق سطوح بيروت” بحثاً عن مبادرات اجتماعية ولكل من يواصلون القيام بأعمالهم ومحاولة العيش في هذا البلد المكركب؛ لا تسألوا إذا ما كان ثمة أمل أو إذا ما كان هذا البلد سيقوم؛ لأن ما تفعلونه يومياً هو الأمل بذاته؛ أنتم تصنعونه من لحم حي وعرق وتعب…

وأنا حين أضيّع الأمل أو أتعب أفتح النافذة لأراكم؛ فمن يواصل الحياة وسط هذا كله لا بد أن ينتصر. وخلافاً لما يعتقد من يسألني؛ أنا أستمد الأمل منه، منكم، من كل من يواصل الحياة بعناد وإصرار رغم هذا كله.

العمل الذي نحلم به، نحن من يصنعه. المنزل الذي نحلم به، نحن من نبنيه. الوطن الذي نحلم به، نحن من سنصل بأنفسنا إليه. لن يساعدنا أو يساندنا أحد؛ إنها مسؤولية كل مواطن، أن لا يستسلم وأن لا يفقد الأمل وأن لا يبحث عن مكان إقامة آخر.

في حلقتنا الليلية في ضروري نحكي نتوقف عند أعداد الوافدين الكبيرة جداً الذين لا يفيدون زعيماً أو مسؤولاً أو رئيساً إنما يفيدون دكنجي الضيعة ولحامها وبائع الخضر والمزارع وطبيب الأسنان وصاحب المطعم و”الوايتر” وشركة تأجير السيارات وغيرهم الكثير من أصحاب المصالح الصغيرة والمتوسطة؛ يفيدون الأهل لا الزعيم وهو ما يستصعب ربما فهمه أو تفهمه من يريدون التضحية بكل شيء وتدمير كل شيء في سبيل تصفية الحسابات السياسية، وهو ما يلحق ظلم كبير بالناس، كل الناس دون استثناء.

You might also like