زمن الإنذارات الكبرى ونوافذ التسوية الضيّقة! (أنطوان الأسمر)

كتابة: أنطوان الأسمر

يستمرّ المثلث اللبناني – الإسرائيلي – السوري كأحد أكثر نقاط الاشتباك حساسية في الشرق الأوسط في لحظة إقليمية تتّسم بسيولة غير مسبوقة. غير أن هذه الحساسية لا تنبع فقط من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، بل من تداخل المسارات السياسية والأمنية والديبلوماسية في رقعة جغرافية ضيقة، تجعل من أي خطأ في التقدير شرارة كفيلة بتفجير توازن هشّ. فالتقارير الغربية الحديثة تتحدّث عن سباق بين منطق التصعيد ومنطق الاحتواء، في ظل تحوّل هذه الجبهة إلى ساحة اختبار لإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي بعد حرب غزة وما خلّفته من تغييرات في معادلات الردع.
لم تعد الحدود الشمالية لإسرائيل مجرّد خط تماس أمني تقليدي، بل أضحت عقدة تتشابك فيها حسابات قوى إقليمية ودولية، من إيران إلى تركيا، مرورًا بسوريا ولبنان. يفرض هذا التشابك مقاربة مركّبة، حيث يُستخدم الضغط العسكري المدروس كأداة سياسية لفتح نوافذ تفاوضية غير مباشرة.
1-في سوريا، تتلاقى الدينامية السياسية والعسكرية الإسرائيلية مع اتساع هامش الحركة التركية، في إطار محاولة لإعادة هندسة موازين القوى الميدانية بما يسمح بإطلاق مسارات تفاوضية مؤجّلة، ترعاها واشنطن وتبقي باب التسويات الجزئية مفتوحًا من دون الذهاب إلى حلول شاملة قد تصطدم بتعقيدات الداخل السوري وتشابك النفوذ الدولي.
2- في لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فإسرائيل، التي طالما اعتمدت سياسة الردع التقليدي، انتقلت تدريجيًا إلى استراتيجية تقوم على تفكيك القدرات النوعية لحزب الله، بالتوازي مع فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الدولة اللبنانية عبر وسطاء دوليين. يعكس هذا التلازم بين التصعيد والانفتاح الديبلوماسي مقاربة تقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض، تتيح إعادة تعريف قواعد الاشتباك بما يحدّ قدرة الحزب على المبادرة، ويُبقي في الوقت ذاته الباب مواربًا أمام تسويات مرحلية.
في خلفية هذا المشهد، تقف الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة. هي تسعى إلى منع إنزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في تثبيت توازنات تعتبرها مختلّة. لذا، تتبنّى واشنطن سياسة مزدوجة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، مع الاستعداد لاستخدام أدوات ضغط اقتصادية وسياسية متى رأت أن مسار الأحداث يخرج عن السيطرة. وفي هذا السياق، يُعاد طرح ملف توسيع اتفاقات أبراهام كإطار إقليمي محتمل لإعادة ترتيب العلاقات، وإن بدا ذلك مشروطًا بتوافر ظروف سياسية وأمنية لم تنضج بعد.
إتّخذ الضغط الأميركي على لبنان في الآونة الأخيرة طابعًا أكثر حدّة، تجلّى في السجال الذي أثاره هجوم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على سياسة دعم الجيش اللبناني. هذا الهجوم لا يمكن فصله عن الانقسام الحاد داخل واشنطن حول كيفية التعاطي مع الشرق الأوسط، حيث يرى التيار المحافظ أن المساعدات العسكرية لم تعد تحقق أهدافها ما دام الجيش، وفق هذا المنطق، غير قادر أو غير راغب في لعب دور مباشر في ملف سلاح حزب الله. بذلك، تتحوّل المساعدات من أداة دعم للاستقرار إلى وسيلة استخدام سياسي تهدف إلى إعادة تموضع المؤسسة العسكرية ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء الحزب.
الرسالة الأميركية مزدوجة: إنذار للسلطة بأن مرحلة إدارة الأزمات من دون حلول جذرية تقترب من نهايتها، وضغط على الطبقة السياسية لدفعها إلى اتخاذ خيارات أكثر حسمًا. لكن هذه المقاربة تضع الجيش في موقع بالغ الحساسية. فالمؤسسة العسكرية، التي ما زالت تُعدّ العمود الفقري للاستقرار الداخلي، تجد نفسها بين مطالب خارجية متصاعدة وواقع داخلي شديد الهشاشة.
إقليميًا، يتقاطع هذا الضغط مع لحظة إعادة رسم خرائط النفوذ من غزة إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى سوريا. وفي قلب هذه التحولات، تُستخدم الورقة اللبنانية ضمن سلّة تفاوضية أوسع بين واشنطن وطهران، حيث يُعاد إدراج سلاح حزب الله في المقايضات الكبرى. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر جدّية، أبرزها تحوّل لبنان إلى ساحة استخدام مزدوج، يُضغط عليه اقتصاديًا وأمنيًا من دون توفير أفق واقعي لحلّ مستدام.
تأسيسًا على ذلك، يقف لبنان عند تقاطع بالغ الدقة بين صراعات إقليمية مفتوحة ومسارات ديبلوماسية متعثّرة. ولا تحتمل المعادلة القائمة رهانات قصوى ولا مغامرات غير محسوبة. وحده إدراك محدودية القدرة على التأثير، والسعي إلى تحصين الداخل سياسيًا واقتصاديًا، قد يتيح للبنان تفادي الأسوأ في مرحلة تتقدّم فيها خرائط النار على خرائط التسوية.

You might also like