تتوالى الكوارث يوماً ما بعد يوم على المواطن اللبناني من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب فنكاد لا ننتهي من لملمة ضحايا المجازر الإسرائيلية حتى نبتلي بضحايا مدنية بريئة نتيجة اللامبالاة والإهمال، حتى بات يصح فينا قول المتنبي ولكثرة المصائب “تكسرت النصال على النصال “.
فما كادت مدينة الفيحاء تنتهي من دفن ضحايا البناء المنهار في منطقة القبة في أواخر كانون الثاني حتى بليت المدينة بانهيار مبنيين في منطقة باب التبانة. ومع هذه الكوارث والمصائب المتلاحقة كانت الدولة وبكل مسؤوليها السباقة في تطيير برقيات التعازي وبيانات الشجب والاستنكار والدهشة لهول المأساة. نعم الدهشة وكأن ما حدث وما يحدث في طرابلس لم يكن متوقعاً، وكأن كل بيانات نقابة المهندسين والمعنيين في عاصمة الشمال لم تجد لها قارئاً واحداً أو مستمعاً من الدولة العالِية، فما من أحد قد استوعب أن هنالك أكثر من 600 مبنى مهدد بالسقوط في أية لحظة وأن هنالك خطراً داهماً يهدد القاطنين في هذه الأبنية، فالدولة ولكثرة مشاغلها بين مزدوجين لا تملك الوقت للاهتمام بأرواح المواطنين وبالتالي فهي وكالعادة لم تقم بشيء وذلك على قاعدة “انطر الواصل تيوصل” فوصل الواصل وكما يقال وبالعربي المشبرح وقعت الكارثة، فتحرك المعنيون وتجهمت وجوههم ولم ينقصهم سوى اللجؤ إلى اللطم، وهرولوا مسرعين إلى مكان الكارثة، فالموسم هو موسم انتخابات والمآتم والمناسبات هي من عدة الشغل والشعب “الغاشي والماشي” سيصفق لهم، ولما لا يعطيهم الأصوات مقابل حفنة من الدولارات؟ حتى ولو كانت هذه الدولارات مغمسة بدماء الأبرياء، فالأخضر البراق سينسيهم ما حل بهم، والزمن كفيل بمحو الأخطاء ومن هنا إلى موعد الاستحقاق الانتخابي سيكون كل شيء تمام وبالتالي سيبرد دم الضحايا، وكما يقال “الله يرحم الموتى”.
وعود الجنوبيين سمك بالبحر
كان لجولة رئيس الحكومة في مناطق الجنوب والشريط الحدودي موضع ترحيب من قبل كل الجنوبيين ومسؤوليهم السياسيين والمدنيين على حد سواء، فدولته يحمل في جعبته الأموال الضرورية لإصلاح بعض ما تضرر من البنى التحتية، فالبنك الدولي كان قد خصص حوالي 250 مليون دولار للبنان بهدف ترميم البنى التحتية وقد زادت فرنسا عليها حوالي ال 70 مليون دولار، مما يعني أن دولته مرسمل للبدء في عملية إعادة بناء البنى التحتية، وهو على حد قوله لن ينتظر الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولا بد من البدء في عملية البناء هذه التي تبلغ تكلفتها الأولية أكثر من مليار دولار، فدولة الرئيس سيبدأ والباقي على الله، تماماً كما فعل بالنسبة لتأمين 100 ألف دولار لكل مودع موزعة على أربعة سنوات، هذه العملية التي تكلف حوالي 20 مليار دولار ستدفعها المصارف التي لا قدرة لها على الدفع وذلك بحسب مسؤولي المصارف أنفسهم. وهكذا تبدو قرارات الحكومة كمن يعطي سمك بالبحر، وهي تعمل على أساس الرزقة على الله “وياللي كاتبو ربك بصير”.
حكومة أغنياء اختصاصها الشحادة
هكذا تبدو حكومة الرئيس سلام، حكومة اختصاصيين ولكنهم يتقنون فن الشحادة، لقد استبشر الجميع بتعيين هذه الحكومة التي تضم فيما تضم عدداً كبيراً من ذوي الاختصاصات العالية ومن المتمولين الكبار في البلد، والذين وعلى ما يبدو هم من الناجحين في إدارة الأموال وتحقيق الأرباح، طبعاً على المستوى الشخصي وليس على مستوى القطاع العام، وهم يديرون البلد وكأنه شركة من شركاتهم أو على أبعد تقدير مؤسسة مالية يتولون إدارة أصولها وتحقيق أرباح للمساهمين فيها والمستثمرين. لقد شخصت الحكومة جيداً مشاكل البلد ولكنها لم تفعل شيئاً للمعالجة، مثلها مثل طبيب الأمراض المستعصية الذي يكتفي بإبلاغ المريض بصعوبة المرض الذي يعاني منه، وعندما تسأله عن العلاج يجيب وبكل بساطة أن العلاج ليس في يده. فالحكومة تقر من جهة بحقوق العسكريين والموظفين ولكنها تقول من جهة أخرى أنها لا تملك الأموال اللازمة للدفع، والأنكى من كل ذلك أنها تضع موازنة مع صفر عجز وكذلك مع صفر تقديمات، كالبخيل الذي يحرم أولاده من مستلزمات الحياة اليومية ولكنه يتباهى بحسابه الكبير في المصارف. فبالله عليكم فإن إدارة البلد لا تشبه إدارة الشركات وبالتالي على الدولة أن تتحمل واجباتها.
عجز صفر وإصلاحات صفر
يتحفك وزراء الحكومة بأنهم لا يملكون عصى سحرية فهم لا يستطيعون حل مشكلة الناس في طرابلس المهددين بالموت وكذلك لا يستطيعون حل مشكلة الكهرباء ولا المياه ولا الأجور إلى ما هنالك. إن حكومة لا تستطيع إيجاد المداخيل ليست حكومة قابلة للحياة، والمداخيل سهلة المنال وهنا مجرد تساؤلات :
1- عن وضع قانون عصري لضريبة الدخل؟
2- ماذا عن إعادة هيكلة المصارف ووضع خطة عصرية للحد من عددها؟
3- ماذا عن استيفاء الرسوم العادلة على الأملاك البحرية والعامة؟
4- ماذا عن إعادة هيكلة القطاع العام بدل التوظيف العشوائي؟
5- ماذا عن تسريع القضاء بحيث لا تبقى الملفات في الجوارير؟
6- ماذا عن خطة مكتوبة لتأمين الماء والكهرباء؟
مرتا مرتا تهتمين بشؤون كثيرة والمطلوب واحد وإذا كنتم عاجزون فليأتي غيركم وكفى.


