منير الربيع –
لم تعد المسألة مرتبطة بحزب الله فقط وسلاحه ودوره في المعادلة، بل بكيفية إعادة إنتاج مشروع وطني يتشارك فيه الجميع، بلا أي تصفية للحسابات. فما هو مرسوم للمنطقة أصبح واضحاً، وفي غاية الصراحة على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق عمله أو المقربين منه. بالنسبة إلى إيران يقولها ترامب بشكل واضح، إنه لا يزال امامها وقت قصير للذهاب باتجاه اتفاق وتسوية مع أميركا وفقاً للشروط الأميركية. الموقف الأكثر صراحة هو ما عبّر عنه ترامب مؤخراً بشأن العراق ورفضه لوصول نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وكان قد سبقه إلى ذلك مبعوثه توم باراك. لبنانياً، هناك معادلة أميركية واضحة تعود إلى سنوات، وهي رفض أن يكون حزب الله مسيطراً أو مؤثراً على الدولة اللبنانية.
وجهة نظر…
هذه المعادلة تتجدد حالياً، وخصوصاً بعد الضربات القاسية التي تعرض لها حزب الله، وتستعد فيها أميركا لإحداث تغيير كبير في موازين القوى على مستوى المنطقة، من خلال تغيير إيران أو تغيير النظام فيها، وهو ما يفترض أن يسري على كل حلفائها، وخصوصاً في العراق ولبنان. على المستوى اللبناني، يبدو الانقسام واضحاً داخل الإدارة الأميركية حول كيفية التعاطي مع حزب الله. فهناك رأي واضح يشير إلى ضرورة تخلي الحزب عن سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية والخروج من حالة العداء لإسرائيل وحصر عمله بالجانب السياسي. في المقابل، هناك وجهة نظر أميركية أخرى، تبدو أكثر تطرفاً، وتشير إلى أنه يجب إنهاء حزب الله بالكامل عسكرياً وسياسياً، والعمل لمنعه من الوصول إلى مجلس النواب وعدم تسمية وزراء له في الحكومة.
.. وأخرى أكثر تشدداً
وجهة النظر الثانية تنطلق من خلفيات عديدة، بعضها يرتبط بالعداء الكامل لحزب الله منذ نشوئه، والسعي للانتقام من تفجير السفارة الأميركية في بيروت في العام 1983. وهؤلاء يعتبرون أن الحزب قد تلقى هزيمة عسكرية، ويجب أن يدفع ثمن هزيمته وألّا يُمنح أي مكتسبات أو مكافآت سياسية. في هذا الإطار تندرج الضغوط الأميركية على المؤسسات الرسمية اللبنانية، ليس فقط لتفكيك سلاح الحزب وسحبه، بل لتفكيك مؤسساته الاجتماعية والتربوية والصحية، وهو ما دفع الحزب في بعض الأحيان إلى اللجوء لإنشاء شركات أو مؤسسات بأسماء جديدة، طالما أن العقوبات قد فُرضت على مؤسسات معروفة مثل القرض الحسن أو غيرها. في الإطار يدرج الكثير من المراقبين تعميم وزير العدل إلى كتاب العدل بعدم الإقدام على إجراء أي معاملة بيع أو شراء للخاضعين للعقوبات الأميركية، بأنها مزيد من الضغط على الحزب، وهي ستسري لاحقاً لمنع شخصيات من الحزب من الترشح للانتخابات النيابية.
بري والمسؤوليات
يواجه لبنان مثل هذه الضغوط بانقسام عمودي، في ظل وجود أفرقاء انتظروا انهيار الحزب أو ضربه لإنهائه، مقابل وجود قوى أخرى تسعى لإقناع الحزب بالدخول في تسوية سياسية جديدة والتخلي عما كان قائماً سابقاً، والاقتناع بأن مرحلة السلاح قد انتهت، ولا بد من التفكير بصيغة جديدة. هذه المسألة ينشغل بها لبنانيون كثر، كما تنشغل بها أطياف متنوعة ومتعددة داخل الطائفة الشيعية. يكاد رئيس مجلس النواب نبيه بري يكون أحد أكثر الذين تقع على عاتقهم هذه المسؤوليات الكبيرة. وهو يسعى إلى لملمة الوضع داخل الطائفة، والحفاظ على مرتكزات ومكتسبات يعتبر نفسه قد حققها سياسياً داخل بنية النظام السياسي والدولة ومؤسساتها. لذا يبدو الرجل وكأنه يتعاطى بواقعية مع كل الوقائع والتطورات ومن خلال مواقفه، وعلاقاته وصلاته العربية والدولية، بالإضافة إلى العلاقة مع رئيسي الجمهورية والحكومة.
المسألة اللبنانية أولاً
بالنسبة إلى بري، هناك شعار أساسي في هذه المرحلة، هو المسألة الوطنية اللبنانية التي تتقدم على كل المسائل الأخرى، والحفاظ على البنيان الشيعي ضمن التركيبة اللبنانية، وتجنب أي حرب جديدة من شأنها أن تقود إلى المزيد من المآسي، لا سيما أنه يركز اهتمامه على مسألة إعادة الإعمار لضمان عودة السكان إلى الجنوب وبقائهم في أراضيهم، بينما أي حرب أخرى ستندلع ستكون ماحقة، وستؤدي إلى الكثير من التدمير وتهجير المزيد من أبناء الطائفة الشيعية من مناطقهم وأراضيهم. مع بري يلتقي الكثير من قيادات حزب الله الذين ينظرون أيضاً بواقعية إلى ما يجري، ويعتبرون أنه لا بد من التعاطي مع الوقائع كما هي للحفاظ على الموقع السياسي.
عودة إلى فضل الله
إلى جانب بري، تبرز مواقف عديدة داخل الطائفة الشيعية، تشير إلى ضرورة تعزيز منطق الدولة، وعودة الجميع إلى كنفها، على قاعدة أن لا بديل عنها لا الآن ولا مستقبلاً. وحتى أن فكرة الخروج عن الدولة أو الاستقواء عليها لم تكن صحيحة ولا صحية، فالدولة وحدها هي الضامنة والحافظة للجميع وحقوقهم. ويعود هؤلاء إلى كلام السيد محمد حسين فضل الله في العام 2000 للسيد حسن نصرالله، وتحديداً بعد إنجاز تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، في حينها شدد فضل الله على مسألة الانخراط بمشروع بناء الدولة، لأن حالة اللادولة التي طبعت لبنان منذ الحرب الأهلية وما تلاها كانت الاستثناء، بينما القاعدة الأساسية يجب أن تتركز على بناء الدولة.
رسائل أميركية
بالنسبة إلى كثيرين، فإن المسار الذي يعمل الأميركيون على تطبيقه حالياً، كان قد بدأ منذ سنوات، وكانت إشارته الواضحة مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني. ومنذ تلك اللحظة كان من المفترض قراءة التغيرات والتحولات والعمل على أساسها. الآن وبعد كل المتغيرات التي حصلت والموازين التي تتغير على مستوى المنطقة، تبقى الحاجة قائمة لإعادة التفكير في بناء مشروع وطني قائم على حفظ الدولة وتقويتها في لبنان، مشروع يسعى إلى التكامل مع دول عربية وإقليمية تحت مظلة الدولة. في السياق، لا يمكن إغفال محاولات عديدة تسعى إلى الانفتاح أو فتح قنوات على الطائفة الشيعية، وعلى حزب الله بالتحديد، إذ إن الحزب تلقى رسائل وإشارات من جهات عديدة حول ضرورة مماشاة التغيير السياسي القائم والتماهي معه، وصولاً إلى تلقي رسائل من الأميركيين حول ما يريدونه للتخلي عن السلاح، وهو ينطبق على أسلوب تعامل ترامب مع إيران التي يدعوها إلى التخلي عن النووي والصواريخ والذهاب إلى مفاوضات معه لتجنب الحرب. هنا تتزايد المحاولات والمساعي لأجل التفاهم الداخلي على تقديم رؤية سياسية جامعة تحفظ لبنان بكل مكوناته، بما يمنح الاطمئنان للجميع، بمن فيهم الطائفة الشيعية التي تبحث عن هذه الطمأنة في مواجهة إسرائيل أو حتى في مواجهة أي محاولة استضعاف من قوى سياسية أخرى.


