أرمادا بحرية إلى المنطقة… عرض عضلات أم ماذا؟

حبيب البستاني – 

بدا العام الجديد على وقع ملفات وتحركات ضخمة، أقل ما يقال فيها أنها تؤشر لأحداث كبيرة قد تقلب الخارطة العالمية من المحيط إلى الخليج ومن بحر الكاريبي إلى الجرينلاند ومن كندا إلى أوكرانيا. وقد بدا واضحاً أن الولايات المتحدة وتحديداً الرئيس دونالد ترامب بدأ يتلاعب ليس فقط بالخرائط الجغرافية والجيوسياسية للعالم إنما أيضاً  بمصير الدول والحكومات، فهو يريد فرض نفسه كلاعب سياسي مؤثر ليس فقط على صعيد سياسة الدول الخارجية إنما أيضاُ على صعيد السياسة الداخلية  كمؤثر في مصير السياسيين والحكومات، وهو لم يتوان عن تحديد العمر السياسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً ما حرفيته ” مش مطول “، وما يصح بالنسبة لماكرون يصح بالنسبة لرئيس وزراء كندا مارك كارني. وكان الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الكندي قد أعلنا في وقت سابق عن معارضتهما لسياسة واشنطن الخارجية والأحلام التوسعية لدونالد ترامب، وقد أزعج ذلك الرئيس الأميركي الذي بادر إلى الرد عليهما بشكل علني تجاوز كل الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول. فترامب يعلن أن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم ” super power ” وبالتالي فهو سوبر رئيس مطلق الصلاحية يحق له ما لا يحق لغيره، كل هذه التصريحات استدعت ليس فقط ردود دولية إنما ردود داخل الولايات المتحدة نفسها، بحيث ان الديمقراطيين وعلى لسان الرئيس الأسبق باراك أوباما اعتبروا أن الرئيس الأميركي يتجاوز صلاحياته التي يضمنها له الدستور في أكثر من ملف، مما يعني أن انتخابات الكونغرس المقبلة ستشهد حماوة لم تشهدها من قبل، فهل سيؤدي ذلك إلى خسارة ترامب للأكثرية داخل الكونغرس؟ أسئلة لن تجد لها جواباً إلا بعد حصول الانتخابات ومن يدري إذا كانت تطورات الميدان ستسبق التطورات السياسية؟.
ملفات تفتح وأخرى يتم إغلاقها بسحر ساحر
بعد أحداث فنزويلا وبسط النفوذ السياسي للولايات المتحدة على الدولة الأكبر في البحر الكاريبي، حبس العالم أنفاسه بالنسبة لمصير جرينلاند الذي اعتبرها الرئيس الأميركي أنها تدخل ضمن النطاق الأمني للولايات المتحدة، وأنه لا بد للولايات المتحدة من وضع اليد عليها وإخضاعها إذا لزم الأمر، كل ذلك استدعى مواقف أوروبية مناهضة للتدخل الأميركي ومهددة تماسك حلف شمالي الأطلسي NATO الذي تتزعمه الولايات المتحدة. هذه المواقف استدعت من الرئيس الأميركي الذي سبق وهاجم الأوروبيين في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في دافوس في سويسرا، تراجعاً في اللهجة الذي بادر من جهة إلى الإعلان عن تراجعه عن الرسوم الجمركية الضخمة 200% المزمع فرضها على الأوروبيين، ومن جهة ثانية أعلن عن نيته توقيع اتفاق كادر ” accord de cadre ” يحدد إطار التعاون بين الولايات المتحدة وحلف شمالي الأطلسي يتضمن موضوع مقاربة جرينلاند وكل منطقة القطب الشمالي. وبالرغم من أنه لم ترشح أية تفاصيل عن هذا الاتفاق إلا أن ذلك انعكس جواً من الارتياح بين الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين ولقد اعتبر أكثر من مراقب أنه قد جرى تأجيل أو ترحيل أزمة جرينلاند.
تبريد أجواء في غزة وتصعيد في الخليج
لقد كان لافتاً إنشاء مجلس السلام لغزة الذي أعلن الرئيس الأميركي عن إنشائه والذي سيضم إلى جانبه الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن، إلى جانب ممثلي عدد كبير من الدول العربية من بينها العربية السعودية وقطر والإمارات وغيرها. وفي الوقت الذي كان ترامب يبرد الأجواء في فلسطين المحتلة تمهيداً لفرض سلام دائم في غزة وإعادة بناء القطاع، أمر الرئيس الأميركي أرمادا بحرية ضخمة للتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط ولا سيما منطقة الخليج الفارسي، وتعتبر هذه القوة البحرية هي الأضخم التي تتوجه إلى المنطقة. من هنا فالتساؤلات كثيرة وكبيرة وهل يريد الرئيس الأميركي شن حرب على إيران؟ أم أن ذلك يدخل من ضمن سياسة عرض العضلات التي تتقنها الولايات المتحدة، وذلك في سبيل إجبار الإيرانيين على السير بسرعة بالاتفاق النووي الإيراني، والعدول عن أحلامهم بامتلاك أسلحة نووية قد تهدد ليس فقط إسرائيل إنما الأمن ومنابع النفط في كل منطقة الخليج العربي والفارسي.
كاتب سياسي*

You might also like