منذ بداية عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 ودخول حزب الله في ما سمي حرب الإسناد في الثامن من أكتوبر أي بعد يوم واحد من بدء العملية، تبين لاحقاً أن الحزب كان المقاتل الوحيد من ضمن وحدة الساحات، وأنه عدا الدعم العسكري الإيراني والدعم اللوجستي السوري، لم تتدخل لا سوريا ولا إيران مباشرة وهذه الأخيرة كانت ترد على العدو الصهيوني وفقاً لاعتبارات داخلية إيرانية، فإيران التي أعلنت وبصورة مباشرة أو ملتبسة أن موضوع دخولها الحرب لن يكون إلا إذا تعرضت الأراضي الإيرانية للإعتداء. وهكذا كان تصرف إيران بعيد اغتيال اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس، في العاصمة طهران في 31 تموز 2024 ولم تختلف ردة فعلها بعيد اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 27 سبتمبر 2024. فإيران كانت قد اتخذت قرارها بإخراج نفسها من حرب الإسناد واكتفت بما كان يقوم به حلفاءها في غزة والعراق وفي اليمن ولا سيما ما كان يقوم به حزب الله في لبنان. وإذا كانت إيران الدولة الإقليمية الكبرى في المنطقة قد اتخذت قرارها بالبقاء على حافة الانتظار في الصراع الكبير الدائر في فلسطين، والذي أدى إلى تدمير شبه كامل لقطاع غزة مع وقوع أكثر من 45000 شهيد وأكثر من 106000 جريح فيه، بالإضافة إلى الخطر المحدق بالضفة الغربية وسقوط أكثر من 900 شهيد فيها، وكذلك كان رد فعل إيران في الصراع الكبير بين الحزب وإسرائيل. فإيران ولأسباب استراتيجية قد حيدت نفسها عن الصراع الإقليمي طمعاً باتفاق مع الولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى اتقاء ضربات إسرائيلية مدعومة من دول الغرب قد تؤدي إلى إلحاق دمار كبير فيها.
إيران خرجت وسوريا أُخرجت
وبالرغم من بقاء سوريا على الحياد نسبياً وعدم دخولها الحرب إلى جانب حزب الله الذي كان يتلقى الضربات وحيداً من العدو الصهيوني، الذي استباح الأجواء وألحق دماراً كبيراً في القرى والبلدات الجنوبية مروراً بالضاحية وبيروت وصولاً إلى البقاع والشمال، وبالرغم من ذلك لم يؤد هذا الموقف إلى إنقاذ النظام. ومن ثم كرت سبحة سقوط المدن والمراكز السورية تباعاً هذا الموقف السوري جاء نتيجة عاملين أساسيين، أولهما ضعف الآلة العسكرية السورية التي أرهقها أعداء النظام والتي أدت إلى عدم قدرته على الرد ووصلت إلى حد الاعتماد على الحرس الثوري الإيراني وعلى حزب الله من جهة، وعلى الدعم الجوي الروسي من جهة أخرى وذلك لتولي الدفاع عن النظام ومؤسساته. أما العامل الثاني فهو قرار روسي بالخروج من اللعبة وذلك نتيجة ظروف خاصة ليس أقلها الوضع في أوكرانيا المدعومة من دول الغرب، وكذلك تفضيل روسيا الدخول باتفاق يؤدي إلى إراحتها على الجبهة الأوكرانية، وذلك بدلاً من الدخول في حرب لا طائل منها. وهكذا قامت روسيا بإعطاء الأوامر للرئيس السوري لعدم الرد على هجمات المعارضة وتحييد جيشه مقابل إعطائه وعداً بضمان سلامته وسلامة عائلته وإعطائه حق اللجؤ السياسي.
سوريا وبعد
دخلت سوريا مرحلة جديدة وذلك بعد أكثر من ثلاث وخمسين عاماً من حكم عائلة الأسد، ومع غياب بشار يغيب حزب البعث العربي الاشتراكي عن السلطة للمرة الأولى منذ العام 1963 تاريخ استلام الجناح العسكري لحزب البعث للسلطة بعد انقلاب عسكري. السؤال المطروح حالياً هل تتمكن الفصائل التي استلمت الحكم من تشكيل سلطة مركزية في سوريا؟ وهل إن بناء الدولة والمؤسسات وإجراء انتخابات حرة ديمقراطية هي في أولويات هذه الفصائل؟ والسؤال الأهم هل من الممكن استتباب الأمن في كل نواحي البلاد التي يتقاسمها معاقل نفوذ من الأكراد إلى التركمانستان إلىى السنة إلى العلويين بالإضافة إلى الوجود الأميركي وغيرهم؟ أضف إلى ذلك الدخول الإسرائيلي على الخط واجتياح خطوط فك الارتباط التي اتفق عليها في العام 1974 وصولاً إلى السيطرة على كامل هضبة الجولان، فهل تقبل المعارضة بهذا التدخل الإسرائيلي علماً أنه من أولى الاتهامات لنظام حافظ الأسد هو تنازله عن الجولان وقبوله باتفاقية فك الارتباط؟
سوريا دولة أم دويلات
تبعاً لكل ذلك وبانتظار الأيام القادمة التي من شأنها الإجابة على أكثر من سؤال وأكثر من تساؤل، وبغض النظر عن ظلامية حزب البعث واتباعه أساليب البطش والتعذيب سبيلاً لتثبيت السلطة، فإن سوريا لم تعرف على مدى تاريخها الحياة الديمقراطية وهي كانت قبل البعث تعيش عهود الانقلابات، فهل تنجح المعارضة بقلب المشهد السوري وذلك بإعادة الحرية والديمقراطية إلى شعب عانى على مدى تاريخه من تداعيات “البيان رقم واحد”؟ من يعش يرى.
حبيب البستاني- كاتب سياسي*
ما كتب قد كتب فماذا بعد؟ (حبيب البستاني)


