“التيار” الأكثر تصالحاً مع نفسه وتاريخه: هذا ما فعله “الجنرال” والتيار من أجل المفقودين… – جوي جرجس

يبقى التيار الوطني الحر الأكثر تصالحاً مع نفسه وتاريخه؛
فهو خُلِق من رحم مؤسسة الجيش اللبناني والشرعية التي أطلقت حرب التحرير بوجه الاحتلال السوري، وخسر لبنان الحرب بعد شراكة دول العالم لكسر الشرعية وفرض اتفاق الطائف بالقوة والنار والمدفعية والطيران الحربي السوري بغطاء جوّي اسرائيلي، وغدر الداخل الذي تجسّد بمشاركة قوات سمير جعجع بالقصف، يداً بِيَد مع من كانت تدعّي العداء له.
هُزِمنا في ١٣ تشرين المشؤوم فسلّم “الجنرال” قيادة الجيش والشرعية حقناً للدماء وللحفاظ على ما تبقّى بعد مقاومة للنفس الأخير، فتمّ نفي الجنرال الى الخارج واستمر بنضاله من منفاه وصولاً الى عمله على قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية، في الكونغرس الاميركي، وتسارعت الاحداث والاستثمار الدولي بالاغتيالات ولعبة الدول وتبدّل مصالحها، ليعود معززاً مكرّماً بعد جلاء الجيش السوري من لبنان وانتصار مسيرة ١٤ آذار ١٩٨٩، ثم صافح القيادة السورية بعد تحرير لبنان من احتلالها، لبناء السلام وعلاقات رسمية ندية من دولة لدولة دون وصاية او احتلال تطبيقاً لما وعد به يوم أعلن حرب التحرير بأنّ الهدف كان إخراج الجيش السوري من لبنان وبعد خروجه نبني أفضل العلاقات من دولة مستقلة لدولة مستقلة.

لا يخجل الجنرال ميشال عون من مصافحة الاسد وزيارة سوريا لأنها اندرجت ضمن سياق مصداقيته مع نفسه ووعوده وأهداف الحرب السابقة.
ملفات عدة عمل الجنرال ميشال عون على حلها بعد الجلاء والسلام، أهمها ملف المفقودين في الحرب. هذا الملف كان مثقلاً بآلام عائلات لبنانية كثيرة فقد أفراد منها دون معرفة مصيرهم، إذ إنّ بعضهم قُتِل منذ زمن على يد ميليشيات لبنانية محلية وطُمِرت جثثهم في مقابر جماعية لا زالت ليومنا هذا غير مكشوفة، وبعضهم قي ل إنه تم وضع جثامينهم في أرض تابعة لوزارة الدفاع اللبنانية، والبعض الآخر قيل إنهم لا يزالون أسرى في سجون سوريا.
أرسل الجنرال عون موفدين عديدين الى سوريا، وكانوا من أصحاب العلاقات الايجابية مع الدولة السورية، وكان الجواب المتكرر ألّا وجود لأي من المعتقلين في السجون السورية. كذلك أجاب الرئيس الأسد عند لقاءه بالجنرال عون خلال زيارته لسوريا، مع وعد بالتحقيق بالتفاصيل والاسماء بعد أن تقوم الحكومة اللبنانية بدورها وتقديم الطلبات الرسمية عبر الأطر الديبلوماسية اللازمة.
واجه التيار الوطني الحر مشاكل عدة بحكومات متتالية عند طلب القيام بالواجب الحكومي في هذا الملف، اذ كان يواجَه برفض أفرقاء عدة لأي تفاوض رسمي مع النظام السوري.

هذا الملف الذي كان يجب حله فور انتهاء الحرب وفرض اتفاق الطائف، بقي عالقاً لسنوات وسنوات دون حل.
فالمفقودون والمعتقلون لم يطالب بهم الرئيس امين الجميل الذي حدث اختفاء كثُر منهم في عهده، هو الذي زار سوريا مرات عدة كما التقى بالرئيس حافظ الأسد وتجوّل معه في سيارة واحدة في لبنان وطلب منه الضغط على القوى المحسوبة على الأسد لدعم رئاسته بعد اغتيال اخيه الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل (وهذا ما اعترف به الرئيس الجميّل في احدى مقابلاته المتلفزة).
كذلك مر على رئاسة الجمهورية اللبنانية كل من الرئيس الياس الهراوي وحكومات عهده، الرئيس اميل لحود وحكومات عهده، فالرئيس ميشال سليمان وحكومات عهده؛ وكلهم زاروا سوريا وكانوا بتنسيق دائم مع الدولة السورية كي لا نقول خضوعا ورضوخاً وطاعة …

كذلك من الضروري التذكير بأن سمير جعجع كان قد زار سوريا شخصياً عام ١٩٩٤ مع وفد من قواته، وقام بواجب العزاء لآل الأسد رغم الاحتلال السوري للبنان وشعارات القوات عن “القضية”. وصرّح جعجع بعد سنوات بمقابلة تلفزيونية أنه طلب من القيادة السورية الافراج عن معتقل واحد أحد هو “بربر عيسى الخوري” فأعطوه اياه هدية زيارته. جعجع لم يطلب الافراج عن باقي المعتقلين ولا سأل عنهم وعن مصيرهم في حينه، بل اكتفى بالهدية التي طلبها.

عمل التيار الوطني الحر على حل هذا الملف بمراحل عدة وطرق عدة، نذكر منها اقتراح قانون بملف المفقودين قسراً قدّمه عام ٢٠١١ النائب عن التيار حكمت ديب؛
واستمر النضال والعمل على تمرير اقتراح القانون مع تعديلات عدة، وصولاً لإقرار “قانون المفقودين والمخفيين قسراً” في أيلول عام ٢٠١٨.
القانون الذي أقرّ بعد جهد يضمن حفظ العينات البيولوجية وقاعدة بيانات الحمض النووي لأهالي المخفيين قسراً، نبش المقابر الجماعية واستخراج الرفات منها، استقصاء مصير المخفيين قسراً، التعويض عن الإخفاء إن بشكل مباشر أو عبر إتاحة إنجاز المعاملات المالية والإدارية التالية لمعرفة المصير، حق جميع المواطنين بالوقوف عند تاريخهم القريب، فتح المقابر الجماعية، والوقوف متأخراً جداً عند واحدة من أبرز أسس العدالة الانتقالية التالية للحروب، وهي معرفة ما جرى.

الرقم الرسمي للمخفيين قسراً في لبنان بالاستناد الى سجلات الشرطة الصادرة في ١٩٩١ هو ١٧ ألف شخص. لكنه رقم لم يخضع للتدقيق الكافي. ويعود تاريخ الإخفاء القسريّ إلى بدايات الحرب اللبنانية في العام ١٩٧٥، والجهات المتهمة بالإخفاء على امتداد ١٥ سنة حربية هي كافة الأطراف المشاركة بالأعمال العسكرية خلال الحرب اللبنانية.
النضال من أجل معرفة مصير المخفيين قسراً في لبنان شاركت فيه مجموعة من المنظمات المحلية، أبرزها “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان”، “لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين – سوليد”، “لنعمل من أجل المفقودين” (ACT)، “المركز اللبناني لحقوق الإنسان” وسواها من المنظمات المحلية والدولية، دون الوصول لأي نتيجة فعلية، فالنفي السوري الدائم لوجود معتقلين أحياء في سجونه لم يتغيّر او يتبدّل.

على عكس كل رؤساء الجمهورية السابقين، لم يزر الرئيس ميشال عون سوريا خلال عهده رغم العلاقة الجيدة والايجابية التي بناها مع الدولة السورية بعد الجلاء والمصالحة، ورغم الاتصالات المباشرة مع الرئيس الأسد، والموفدين المتبادلين بين رئاسة الدولتين. اذ كانت العادة أن يزور الرئيس اللبناني سوريا في بداية عهده، لكن الرئيس عون خالف التقاليد وزار المملكة العربية السعودية لمحاولة طي صفحة الخلافات السياسية مع المملكة والعواقب التي تعرض لها لبنان نتيجة الأزمات المتتالية في العلاقة بين البلدين، والتي لم تتوقف بعد تلك الزيارة بل زادت آثارها مع الحرب السعودية-اليمنية والتهجمات التي قام بها فريق لبناني متفرداً بفتح جبهة صراع كبيرة مع دول الخليج عامةً والمملكة العربية السعودية خاصةً.

لم ينجرّ التيار الوطني الحر يوماً لفخّ الذوبان في أي محور اقليمي ومهاجمة المحور الآخر، ولا الى تمترس في صراعات لا تعني لبنان، بل كان على الحياد في الصراعات بين الدول العربية، ودعم عودة سوريا الى جامعة الدول العربية كونها ركن عربي اساسي أياً يكن من يرأسها، وترك الخيار والقرار للشعب السوري باختيار مصيره وحكامه.

بنى التيار الوطني الحر علاقات ديبلوماسية راقية ومحترمة مع الدولة السورية كون البلدين مجاورين ومصالحهما مشتركة، وتعاطى مع القيادة السورية من منطلق أنها الممثل الشرعي للشعب السوري، وهو ما دأب على التعاطي به وسيبقى، أياً تكن المتغيرات والتبدلات،

فالعلاقات كانت وستبقى من دولة لدولة ومن شرعية لشرعية لا من فئة لفئة. والأهم بالنسبة للتيار اليوم أن تتوقف الحرب على حدود لبنان الشمالية والشرقية بعد اتفاقية وقف اطلاق النار في الجبهة الجنوبية، وأن يعمّ السلام في سوريا المجاورة التي لها تأثير مباشر على مصالح لبنان الاقتصادية والأمنية، والملف الأهم الذي هو عودة النازحين السوريين الى بلادهم وحل هذه الأزمة التي أثرت كثيراً على لبنان، بالاضافة الى حل ملفات عدة عالقة وكلها مهمة، منها ملف المفقودين وملف ترسيم الحدود البرية والبحرية، وغيرها.

You might also like