السباق محتدم في فترة ما بعد إقرار ترتيبات المنطقة ووجهها الجيواستراتيجي، بين الحرب والتهدئة. إيران لا تزال تدرس سبل الرد، أما الصالونات السياسية في بيروت فتلهج ألسنها بأخبار الحرب القادمة لا بل بتوقيتها.
وبغض النظر عن التحليلات والتسريبات، لا شكّ أن الخطورة لا تزال تجثم فوق سماء لبنان وأرضه، وما المطلوب إلا السعي لحماية هذا الوطن قدر الإمكان، لا بل سحبه من أتون النار التي حصلت وفق تقديرات خاطئة للوضع الإستراتيجي.
وبناءً على مبدأ حماية لبنان، واصل رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل دعواته لتحييد لبنان وسحبه من النار، وذلك بعد مقابلة مع “الأنباء” الكويتية أعلن فيها لأول مرة أنه لا بد من وقف النار في الجنوب حماية للبنان.
وفي الإفطار الذي نظّمه نائب رئيس التيار لشؤون العمل الوطني ربيع عواد في جبيل، ربط باسيل بين النموذج اللبناني في التنوع وبين الأولويات الوطنية. هنا، أبرز باسيل أهمية بناء الدولة والإصلاح والشراكة الوطنية، كعناصر أساسية لحماية لبنان التي لا يمكن أن تقتصر على البندقية فقط.
وقد أشار باسيل في المقابل إلى الرهانات الخاطئة لدى بعض القوى، التي أكد أن زعماءها لا تزال تصرب مواعيد للحرب الإسرائيلية، من دون أن يتعلم أصحابها من الدروس الأليمة في الحرب.
وهنا وضع باسيل الرهانات على الإنتصار في الحرب لفرض رئيس، أو على الضربات المعادية لتغيير الموازين، في نتيجة السقوط الحتمي، للتأكيد ألا حل رئاسياً ولبنانياً إلا بالتفاهم والحوار.كما ضرب منطق الإستقواء بالقول: “التحدي كلبنانيين وميزتنا أن نعيش بتشارك فعلي من خلال المناصفة وعدم التعاطي بمنطق العدد والقوة لأن لا شيء ثابتاً وهذا رأيناه عبر تاريخنا كيف انقلبت القوة”
اما مسؤولو حزب الله فكان لهم كلام آخر. فقط اعتبر نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم خلال حتفال تأبيني في بيروت أن “مساندتنا لغزة هي في صلب العمل الوطني ونحن نعتبر أنَّنا نقوم بما يجب أن نقوم به، بل نسأل الآخرين الذين لا يقومون بهذا الواجب لماذا لا تساندون بطريقة أو بأخرى؟!”
لكن في بيئة الثنائي الشيعي كلام متشدد تجاهل الحرص على مصلحة لبنان ومصر على منطق الإستقواء. فالمكلف بالردود المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، سارع الى التنظير بأن “الحرب السيادية الاستباقية أخطر وأهم الحروب الوطنية على الإطلاق”. وأردف المفتي المختص بالردود: “والخطأ خطأ من يعيش فرديته بطريقة عجيبة، والطمع برئاسة الجمهورية لا يكون على حساب المصالح الوطنية ولا بغرس الخنجر بالظهر، ومنبر الإفطار يجب أن يكون ممزوجاً بعطر المقاومة وتضحياتها التي استعادت لبنان بمؤسساته الدستورية والحكومية والأهلية وما زالت الضامن الأكبر لبقاء هذا البلد”.
لكن عن أي خنجر يتحدث الشيخ الذي يرد بسرديات فئوية؟ خنجر استباحة الشراكة أم خنجر التخلي عن بناء الدولة؟ ففي لبنان، قوى سياسية في طليعتها التيار الوطني الحر، لا تحمل إلا ورود التفاهم والحوار والتعلق بلبنان، وركائز بناء دولة ليست مخصصة للإستباحة ولا للتجويف.
على خط آخر، كان رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع يعيد تكرار عبارات سبق واستعملها قبل أكثر من ١٥ عاماً حين كان يصر على إسقاط الرئيس إميل لحود، مستغلاً مناسبة شهداء زحلة في الحرب التي لم يشارك فيها، لإطلاق شعارات من نوع “عبعبدا ما بفوتوا”!


