عندما نتحدّث عن دستور الطائف، فإنّنا ندخل عالماً تاريخيّاً محوريّاً في تشكيل السّياسة والهويّة في لبنان! تمّ تبنّي هذا الدستور في العام ١٩٨٩ بعد إنتهاء الحرب اللبنانيّة، وهو إتفاق وطني توصّلت إليه الأطراف المتحاربة وبمساعدة المجتمع الدولي، لتحديد الأطر السّياسيّة للبلاد.
وَضَعَ إتّفاق الطّائف “إلغاء الطّائفية” هدفاً له، لكن النظام اللبناني لم يستطع التخلي عن هذه الطائفيّة إلى الآن. بحيثُ تمّ توزيع المناصب الحكومية وفقاً للطوائف الرّئيسيّة في لبنان، ممّا يضمن تمثيل كلّ طائفة في الحكومة والمؤسّسات الرئيسيّة. ومع ذلك، كان هذا النظام سيفا ذا حدّين، ومصدر جدل وإنتقادات في آنٍ واحد. فقد اعتبر البعض أنّه يعزّز الإنقسامات الدينيّة ويعطي الأولويّة للهويّة الطائفيّة على حساب الهويّة الوطنيّة.
على مرِّ السّنوات، لم يكن دستور الطائف قادراً على حلِّ المشاكل السياسيّة العميقة في لبنان، فوقفَ عاجِزاً أمامها، ومن ثمّ تأزّمت الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة من جهة، وتصاعدت الإحتجاجات المناهضة للنّخبة السياسيّة الحاكمة بأغلبها من جهةٍ أخرى.
على الرغم من أنّ الدستور كان يعدّ لتحقيق التوازن والعدالة الإجتماعيّة والسياسيّة، إلا أنّ الحقيقة المريرة هي أنّه لم يتمّ تطبيقه بشكلٍ كاملٍ أو منتظم! الواقع كما هو: صانعو الطائف طبّقوه “إنتقائيّاً” وفقاً لمصالحم.
فيما كانَ الناس يتطلّعون إلى الإستقرار والتقدّم، إستغلّت الطبقة السياسيّة آمالهم و”شغلتهم بها”، وفي المقابل كانت تتورّط بالفساد والتّلاعب بالسّلطة… ممّا أدّى إلى إنعدام الثقة في المؤسّسات الحكوميّة وزيادة التوتّرات السياسيّة.
في هذا السياق، يأتي تسلّم نجيب ميقاتي، الذي يعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الطّبقة السّياسيّة القديمة وحجرها الأساس، وهي التي فشلت في تحقيق تطلّعات الشّعب اللّبناني، ضمن أدوات النّحر النّهائيّة للنّظام السّياسي اللّبناني! إلى جانبِ تاريخه السّياسي المحفوف بالجدل والإنتقادات، يثيرُ تولّيه مسؤوليّة رئاسة الحكومة مخاوف دائمة بين اللّبنانيين بشأن مستقبل البلاد؛ فلم تكن الحكومات التي شكّلها ميقاتي قادرة على مواجهة التّحديات الإقتصاديّة والسّياسيّة والإجتماعيّة الهائلة، بل عمدت إلى التعثّر في الفساد والمحاصصة والمتاجرة مع دول ومنظّمات ضدّ مصلحة اللّبنانيين، وتجاهلت الحاجات الحقيقية والمتطلّبات الأساسيّة للمواطنين.
أكثرُ من ذلك، عوّل بعض اللبنانيّين على عودة سعد الحريري، وخاصّةً أنصاره، على الحياة السياسيّة، ولكنّه سيرحل مرّة جديدة! فقد باتَ واضحاً أنّ الظروف السياسيّة والإقتصاديّة الرّاهنة تجاوزت مجرّد عودة شخصيّة سياسيّة… إذ تتطلب حلاًّ جذرياًّ للأزمات التي تعصف بالبلاد.
أمّا اليوم، فيواجه التيار الوطني الحرّ، الذي لم يرتضِ جنراله ميشال عون بدستور الطّائف في الماضي، تحدّيات جديدة… فعندما لم يكن راضياً، على الإطلاق، عن الطائف، من خلال مواقفه القويّة والجازمة في الماضي، ومنها أنّ الطائف الذي حدّد صلاحيّات جديدة لرئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة بات بموقع العجز عن معالجة المشاكل، بعد أن كان الأوّل يمسك في دستور لبنان الذي وضع عام ١٩٢٦ بصلاحيّاتٍ شبه كاملة السلطة الإجرائية، أو ما يعرف بالتنفيذيّة ويعاونه الوزراء، إنتقلت هذه السلطة إلى يد مجلس الوزراء مجتمعاً، إلى جانب تقيّد شخص رئيس الجمهوريّة وحده بمهلٍ دستوريّة في بحرٍ يغوص فيه مثلاً رئيس الحكومة من دون التقيّد بأي مهلة دستوريّة…
وها هو التيار اليوم يطالب على العلن بتطبيقه وتطويره، ويضع إلى جانبه اللّامركزيّة الإداريّة والماليّة الموسّعة كنقطة أساسيّة لإنتخاب رئيس جديد قادر أن يقود المرحلة المقبلة الواعدة مع الإستثمارات في النّفط والغاز مع تأسيس صناديق سياديّة وإئتمانيّة لتحفظ الثّروات للأجيال القادمة، وذلك بعيداً عن أيدي الفاسدين كمنظومة التّسعين وممارساتها.
بإختصار يمكن القول إنّ نظام الطّائف مكبّل ويعطّل نفسه بنفسه عند الإستحقاقات الأساسيّة… لذا تطوير النّظام على المدى البعيد حلّ لا مفرّ منه.. لكن اليوم على الأقلّ، طبّقوا هذا الطّائف يا صانعيه!
ولهذا، يشكّل البحث عن التوافق المفقود، التحدّي الأكبر أمام لبنان في الوقت الحالي، حيثُ يجب على الأطراف السياسيّة العمل بروح الحوار والتعاون من أجل إيجاد حلول للأزمات الحاليّة لتحقيق التقدّم والإستقرار.
في النهاية، يتوقّف مستقبل لبنان على قدرته على التعامل مع التحديات الجديدة وكيفيّة الإستفادة من التجارب السّابقة، بما في ذلك تجربة دستور الطائف وسقوطه، وكلّ ذلك في سبيل بناء مستقبل أفضل وأكثر إستقراراً وإزدهاراً.


