يشرّفني أن أرحّب بكم جميعاً بإسمي وبإسم التيار الوطني الحر في هذه الندوة التي نعقدها بمناسبة اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية تحت عنوان: “وثيقة الأخوة الإنسانية بين النظرية والتطبيق”.
إسمحوا لي بداية أن أقرأ بعض المقتطفات من مندرجات الوثيقة للإضاءة على روحية مضمونها:
” تؤكد الوثيقة على التالي:
– أنَّ الحريَّةَ حَقٌّ لكُلِّ إنسانٍ: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا ومُمارَسةً، وأنَّ التَّعدُّدِيَّةَ والاختلافَ في الدِّينِ واللَّوْنِ والجِنسِ والعِرْقِ واللُّغةِ حِكمةٌ لمَشِيئةٍ إلهيَّةٍ، قد خَلَقَ اللهُ البشَرَ عليها، وجعَلَها أصلًا ثابتًا تَتَفرَّعُ عنه حُقُوقُ حُريَّةِ الاعتقادِ، وحريَّةِ الاختلافِ…
– أنَّ الحوارَ والتفاهُمَ ونشرَ ثقافةِ التسامُحِ وقَبُولِ الآخَرِ والتعايُشِ بين الناسِ، من شأنِه أن يُسهِمَ في احتواءِ كثيرٍ من المشكلاتِ الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والبيئيَّة التي تُحاصِرُ جُزءًا كبيرًا من البَشَرِ.
– أنَّ مفهومَ المواطنةِ يقومُ على المُساواةِ في الواجباتِ والحُقوقِ التي يَنعَمُ في ظِلالِها الجميعُ بالعدلِ؛ لذا يَجِبُ العملُ على ترسيخِ مفهومِ المواطنةِ الكاملةِ في مُجتَمَعاتِنا، والتخلِّي عن الاستخدام الإقصائيِّ لمصطلح «الأقليَّاتِ» الذي يَحمِلُ في طيَّاتِه الإحساسَ بالعُزْلَةِ والدُّونيَّة، ويُمهِّدُ لِبُذُورِ الفِتَنِ والشِّقاقِ،….
– أنَّ الاعترافَ بحَقِّ المرأةِ في التعليمِ والعملِ ومُمارَسةِ حُقُوقِها السياسيَّةِ هو ضَرُورةٌ مُلِحَّةٌ،….، لذا يجبُ العمَلُ على تعديلِ التشريعاتِ التي تَحُولُ دُونَ حُصُولِ النساءِ على كامِلِ حُقوقِهنَّ.”
أرتكز على هذا الجزء من مضمون الوثيقة للإجابة عن سؤالين أو تساؤلين سمعتهما من بعض ممّن قمت بزيارتهم للدعوة إلى هذه الندوة من مرجعيات روحية وديبلوماسية وسياسية.
السؤال أو التساؤل الأول: لماذا التيار؟ (بما معناه لماذا يقوم تيار سياسي بتنظيم مثل هذه الندوة؟)
الجواب سهل ومباشر: لأن الأخوة الإنسانية هي في صلب مبادئ التيار التي ينص عليها ميثاقه حيث يعلن حرفياً (وهنا اخترت ثلاثة من المبادئ السبعة اختصاراً للوقت):
– “إيمانه أن الإنسان الفرد قيمة بذاته، وأن الناس يولدون ويموتون متساوين، ويعيشون متمتعين بالحقوق والحرية والكرامة، ولهم أن يتباينوا في الآراء والتوجهات والمعتقدات.
– تأكيده أن لبنان اختبار إنساني مميّز، بفضل ما يتسم به من تعدديّة وتفاعل فكري وانفتاح على الحضارات، وبفعل تجربته الديمقراطيّة الرائدة في العالم العربي.
– اقتناعه بأن المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات، إذ إن المرأة شريك أساس في بناء المجتمع وصنع القرار السياسي.
ولأن رسالة التيّار التي أُنجزت في ٣ أيلول 2007 هي رسالة أخوة وإنسانية جاء في مقدّمتها:
“…. يريد(ها) دولة حقّ علمانيّة وديمقراطيّة، يكون الإنسان الفرد فيها، ذكراً كان أم أنثى، قيمة بذاته، ويكون على هذا الأساس مضمون الحقوق والحريّة والكرامة، بصرف النّظر عمّا قد يختلف به عن سواه من انتماءات فئويّة، ومتحرّراً من كلّ التبعيّات والوصايات والارتهانات، الداخليّة منها والخارجيّة.”
إن هذا التناغم بين مضمون الوثيقة وميثاق التيار يرتّب على التيار مسؤولية وطنية لخلق مساحة تحاور وتفاعل حول أهداف الأخوة الإنسانية من أجل السلام والعيش المشترك.
أما التساؤل الثاني فهو: لماذا هذا التوقيت؟ (أي بظل انشغال الناس بخطر الحرب وثقل الفراغ والأزمات المتتالية من سياسية واقتصادية واجتماعية مزمنة ومتشعّبة)
الجواب أيضاً سهل: في ظل كل ما شهده ويشهده بلدُنا من أزمات طالت المواطنين والمواطنات من كل الفئات والأطياف فأصابتهم بكرامتهم الإنسانية ومسّت بحقوقهم وبحاجاتهم الأساسية وزادت من انقساماتهم ومخاوفهم،
وفي ظل ما نراه يومياً من مشاهد الدمار والقتل في فلسطين وجنوب لبنان، وأمام ما نشهده في غزة من مجازر وإفقار متعمّد وتجويع وتيئيس إلى حد التجريد من الإنسانية بحق شعبٍ بأكمله بأطفاله ونسائه وشيوخه وطواقمه الطبية وإعلامييه،
في ظل كل هذا، كيف لنا أن نبقى ساكتين أو متفرّجين أو ننتظر توقيتاً آخر للبحث في الأخوة والإنسانية التي تُنحَر كل يوم أمام أعيننا وأعين العالم؟؟؟
فمن البديهي أن نلتقي في هذا التوقيت بالذات وفي هذه الظروف لنؤكّد على ما يجمعنا من قِيَم ومبادئ ونعمل سوياً لإرسائها بشكل راسخ في مجتمعنا ولتعميمها على محيطنا، علّنا نساهم في نشر ثقافة نبذ العنف والتمسّك بالعدالة فيحلّ السلام ويتحصّن العيش المشترك.
شكراً من القلب لكل من ساهم في تنظيم هذه الندوة وخاصة الرفاق في قسم العلاقات الروحية في التيار وأمانة السر واللجان المعنية. وتحية تقدير لكل المتحدّثين في الندوة لما يقدّمون من فكر متنوّر وجامع، وللحضور الكريم، بتنوّعه الروحي والسياسي والديبلوماسي والمدني، على تلبية الدعوة والمشاركة القيّمة.
نتطلّع إلى مداولات مثمرة والى تواصل وتعاون مستمر معكم جميعاً في المستقبل.
كتيلي في ندوة “وثيقة الأخوة الإنسانية”: التناغم بين الوثيقة وميثاق “التيار” يرتب علينا مسؤولية وطنية


