في الإعلام والسياسة والسلاح: هذه هي خلاصات “موقعة” الكحالة! ميشال ن. أبو نجم

ميشال ن. أبو نجم-في رمزيات الوجدان الجماعي لا أحد يستطيع الإلغاء والإقصاء والحذف من الذاكرة. مهما كانت الإختلافات السياسية حول تقييم التاريخ، تبقى الكحالة هي نفسها… بلدةٌ لبنانية كانت أول من واجهت زحف المنظمات الفلسطينية المسلحة، التي رفعتْ سلاحها في غير مكانه. ستبقى صورتها كذلك إلى ما شاء الله. أن يربط البعض نتيجة الحادثة الأليمة بين الماضي والحاضر محاولاً إزالة ما مثّلته الكحالة من مقاومة للسيطرة الخارجية، وللسلاح في غير مكانه، لضيقِ صدرٍ بوجدان غيره، فهو واهم. هو جاهل أيضاً بما تمثّله الرموز…

 

لعل أولى الخلاصات هي حال الإعلام التحريضي في لبنان. منذ مدة ليست بقصيرة، يتجاوز الإعلام حده الطبيعي في رأيه السياسي، إلى استثارة المشاعر الكامنة وتعبئتها وتوجيهها، بشكل استفزازي بالغ الوضوح. منذ الأيام الأولى ل”17 تشرين” ومراسلو بعض القنوات نفّذوا هذه المهمة على الهواء مباشرة، وهذا ما تكرّر في الكحالة. أن تبقى شاحنة السلاح والذخيرة ساعات كأي حادث طبيعي يحصل على “الكوع” الشهير، ثم تتطور الأمور إلى حجارة وتلاسن وإطلاق نار ويسقط ضحايا كان يمكنهم اليوم أن يكونوا إلى جانب عائلاتهم، فهذا أمر لا يستدعي التساؤل فحسب بل المحاسبة القانونية والأخلاقية. دمُ اللبنانيين ليس لعبةً ولا مزحة في يد الإعلام التحريضي. وبدل أن تعمد المنصات ومنظمات المجتمع المدني إلى التنطح للدفاع عن حريات فردية من هناك أو الترويج لأفكار ليبرالية متوحشة حتى لو أضرّت ، الأحرى أن تحاسب الإعلام على تحريضه!

 

حال الإعلام تُفصح عما يتصل بها من تعبيرات اللبنانيين على وسائل التواصل الإجتماعي. بعد 48 عاماً على الحرب، تكفيٌ رصاصة واحدة أو موقف واحد، ليعود منطقها إلى النفوس وتُخرج حقائق الحقد والكراهية، والأخطر محاولة فرض ذاكرة واحدة وتاريخ واحد وقراءة واحدة على وجدان اللبنانيين، المتنوعين، والذين سيبقون كذلك. كل أنواع التنميط والإساءة وتحقير الطوائف والأحزاب الأخرى، تستعمل في هذه المعركة. في مقابل الهجوم على حزب الله وما يمثِّل، واتهامه بالعمالة، اتهامات مقابلة ب”الصهينة” و”الأمركة” وما شابه…

وكل ذلك يقود إلى حقيقة واحدة، هي أن القوى السياسية اللبنانية، وبغالبيتها، لم تفعل شيئاً منذ العام 1990 سوى المراكمة على العصبيات واستثمارها لزيادة الشعبية. تستعمل قواعدها ومناصريها وقوداً للزعامات وتعزيز شعبية خسرتها في المعركة الأصعب وهي بناء ثقافة السلام والحوار وبناء الدولة، وخاصة التصدي للملفات المالية والإقتصادية… قوى بمعظمها لا تعيش إلا على الموت والإقتيات منه كالغربان! وهذا السياق الحزبي اللبناني، قدم التيار الوطني الحر صورة مناقضة له باختياره الطريق الأصعب، عبر التفاهم مع قوى يختلف معها عقائدياً وسياسياً، وفي طليعتها حزب الله…

 

القضية الأعقد مرتبطة بحالة حزب الله وسلاحه في المجتمع اللبناني. ليس من المبالغة، أو حتى المجاملة التي لا نتقنها، الإضاءة على الجهود التي بذلها حزب الله لعدم توريط سلاحه في الداخل، وكذلك ربطه بالعدو الإسرائيلي، أو محاربة الإرهاب الذي وللتذكير احتل لأعوام قسماً من الأراضي اللبنانية. كما لا يغفل، إلا عن الحاقدين، أو المصرين على البقاء في الماضي، أن حزب الله بذل جهداً فكرياً وإيديولوجياً لتكييف عقيدته الإسلامية الواضحة، مع الواقع اللبناني. ومن دون قفازات أيضاً، مصلحته مع المسيحيين لا يخفيها أيضاً.

 

هذا يجب ألا يقودنا إلى التنكر أو طمر رؤوسنا في الرمال. على وفرة ما مثّله من ردع لإسرائيل، تحوّل سلاح حزب الله إلى مصدر نفور لدى اللبنانيين الآخرين. هذه هي الحقيقة مهما تلطى وراءها من يريد الإقتتال الداخلي، أو أجهزة استخبارات خارجية. مزايدات “المتماهين” مع “الحزب” لعقد نقص غير مفيدة هنا. هناك إشكالية عميقة تتصل بتخوف عفوي لدى اللبنانيين من هذا السلاح، وخاصة حين يبرز في مناطق بعيدة من الجبهة. أكانت هذه الهواجس مضخمة أم واقعية، فهذا لا يحجب أن “الحزب” هو المعني الأول بتقديم إجابات عنها. فبعد “موقعة” الكحالة ستزداد الأسئلة والهواجس، وربما محاولات استفزاز حزب الله لجره إلى مواجهات مماثلة.

هنا أيضاً، تبرز أهمية الواقعية التي قدمها جبران باسيل في تغريدته “المنسوجة” بإحكام، عن أهمية المظلة الوطنية للإستراتيجية الدفاعية. من دون هذا الغطاء الرسمي، لا “شرنقة” شيعية ولا علاقات إقليمية قادرة أن تكون ضامناً لعلاقة سليمة بين سلاح “الحزب” في حالته المقاومة، والدولة. الدولة مطلوبة وحاجة مهما كانت ضعيفة…

“موقعة” الكحالة ليست عبثية مهما كانت أسباب “إنتاجها”. التعلم منها ضروري. عندما كنا في مطلع الشباب وحماسه السياسي، كنا نسستخف من مقولات تأسيسية، كما لصائب سلام عن “التفهم والتفاهم”، أو “لبنان الرسالة”، وغيرها من التعابير. كان الحماس ينسينا أن هذه الخلاصات أتت نتيجة خبرة عميقة وصراعات دامية عبثية… كنا ننسى أن التفهم الحقيقي هو المدخل الوحيد لبناء سلام نستحقه بعد قرون من الصراعات والمذابح!

 

*رئيس تحرير tayyar.org

You might also like