لنا مع جلَبة 17 تشرين 2019 حسابٌ مفتوح. إذا كانت بعض منطلقات من نزل إلى شارعها عفوية ومرتبطة بحسٍ تفاؤلي مشروع بالتغيير، فإن حجم الإرهاب الفكري والدعائي والإعلامي الذي استهدف تحديداً التيار الوطني الحر وصورته ورئيسيه، المؤسس والحالي، أكبر بما لا يقاس في الأذى المعنوي والمادي. ماكناتٌ إعلامية و”مَفرخاتٌ” للكذبِ الهادف والمدار خارجياً، كله لغايات استراتيجية دولية وإقليمية، وصلت إلى نهايتها تحديداً بعد اتفاق ترسيم الحدود وبدء العد العكسي للحملة التي تكسّرت على صلابة موقف بعبدا.
صمد ميشال عون ومعه ناسه وتياره وهم من طينة معتادة على خوض الصراعات. منذ تأسس هذه الحال الإجتماعية – السياسية وهي لم تهدأ ولم تستكِن. مجبولة بتحدي الواقع والمنظومة المتكلّسة تشعر بالخطر كلما استمعت إلى شعاراتها وكلما لمست عدم انزلاقها إلى منطقها. أما من انفضّ عنها من متقاطعين معها بالمبادئ والأهداف، وذلك لمثالية مفرطة، فلم يؤسس لبديل فاعل مع أركان منظومة التسعينات، ولم يستطع بالتالي تجاوز تأثيرها، لا بل رياديتها في مشروع التغيير والمواجهة.
كان أقسى ما رسخ في أذهان اللبنانيين التساؤل عما فعله ميشال عون. في الجانب المحق أيضاً، آمال كبيرة أمام واقع مرير من سيطرة المنظومة وترسّخها وشراستها. لكن الظلم كان أيضاً أكبر لجهة التغافل عما شقه ميشال عون من مساراتٍ كبرى مؤسسةٌ لأجيال عدة من اللبنانيين، بميزان الجوهرجي وبقدرة هائلة من الصبر الذي يعجز عنه شباب في مقتبل العمر والإندفاع.
إذا كان المعيار للنقاش والتقييم أنَّه “لم ينجح” بناء على السؤال التشكيكي “ماذا فعل ميشال عون”، فإن شرعية السؤال تنطبق أيضاً على ما فعله حين “هز المسمار” في “حرب التحرير”. آنذاك كانت أحقية التساؤل مشروعة، لجهة الإقدام على المواجهة لا مع الجيش السوري فحسب، بل وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة الأميركية وسعيها لتقديم لبنان جائزة ترضية لسياستها في تقديم دعم الإنتفاضة الفلسطينية ومفاوضات السلام على حساب القضية اللبنانية. آنذاك هزّ ميشال عون “المسمار”، وخسر المعركة العسكرية وحيداً في قصر بعبدا، لكنه كان مطلق شرارة مواجهة سلمية لم تلقِ أوزارها إلا بعد خمسة عشر عاماً، لم يكن فيها ولا لمناصريه أي وقتٍ لالتقاط الأنفاس. لكنه في النهاية، وصل إلى نهاية الطريق التي شقها وحافظ على مبدئيته تجاهها.
في المعركة مع منظومة التسعينات، عانى ميشال عون لا من الهروب أو مصالح حليفه الأساسي فحسب، بل واجه أيضاً قلة الحيلة في “عدة الشغل” ممن راهن عليهم في المعركة وخاصة في ميدان القضاء. من يستعيد مرحلة 2019 – 2022، يعلم ما واجه الرجل الذي كان أقسى هذه المرة من القصف المدفعي. في أواخر الثمانينات كان بصورة المحرِّر البطل، أما في أوج رئاسته للجمهورية وفي أواخر ثمانينياته، كانت صورته ترشق بالسهام وبعدم تحقيق الإنجازات الموعودة.
على المقلب الموازي، كان هذه المرة وبهدوء، يزرع مسماراً، لا يهزه أو يخلخله. على الرغم من كل المعاندة والإحتيال من أرباب الهيكل، ومن ضجيج كل منظومة المصارف الأخطبوطية، استطاع إدخال التدقيق الجنائي إلى قدس الأقداس، حيث صنع الحاكم بأمر المال محرقة اللبنانيين كرمى لعيون شركائه من أصحاب السلطة، في السياسة والإعلام وكل مجالات الشأن العام.
ومن ينظر ويراقب هذا الضياع لدى رجال المنظومة، وكيف يختبئون من وثائق التدقيق ومسوداته وتقاريره، كأنه النور الذي يفضحهم، يمكن أن يعرف كم أن مسمار ميشال عون سيكون قاسياً على رؤوسهم، لا بل قاضياً، ولو اقتضى ذلك سنوات وسنوات، ولو رشقَه صبية أو جهَلةٌ أو متواطئون بالإتهامات والدعاية الكاذبة…
هذه المرة لم يخلخِل ميشال عون المسمار، كان يزرعه في نعش المنظومة…
وحتى موعد الدفن، سيبقى حسابنا معهم مفتوحاً!


