ليس وزير المالية والدفاع السابق الياس سابا الذي رحل بالأمس شخصية سياسية فحسب، بل هو أحد عناوين المواجهة العميقة والتاريخية بين النهج الإصلاحي في لبنان، وبين الفئة المتمسّكة بامتيازاتها وهيمنتها على المجتمع، أو ما يمكن تعريفها ب”أكَلة الجبنة” fromagistes، كما سماها الرئيس الراحل فؤاد شهاب. تلك الفئة المتوحشة بسبب عدم وجود من يردعها وتواطؤ جزء كبير من المجتمع معها.
وهذا الصراع يستمر في البلد منذ الإستقلال حتى المواجهة الحالية مع المنظومة المصرفية – السياسية الجشِعة، وتحديداً منذ أن وضع شهاب ركائزَ دولةٍ بناء على نهج إصلاحي اجتماعي – اقتصادي.
سيرة الياس سابا في السبعينات هي عنوانٌ لهذه المواجهة مع النظام المالي – الإقتصادي. ويشير السفير الدكتور فريد الخازن في كتابه المفصلي “تفكك أوصال الدولة في لبنان”، إلى أن عهد الرئيس سليمان فرنجية انطلق “بتأليف حكومة جديدة برئاسة صائب سلام تضم مجموعة من الشباب الإختصاصيين الناجحين في مجالات عملهم. وكان من بين أعضاء وزارة الشباب كما عرفت آنذاك، النائب السابق ورئيس تحرير صحيفة النهار غسان تويني، والطبيب إميل البيطار ذو المكانة المهنية المرموقة والعضو المؤسس في الحزب الديموقراطي، والخبير الإقتصادي المعروف الياس سابا”.
ويوضح الخازن أن أعضاء “هذه الحكومة عجزوا، وإن بدرجات متفاوتة، عن وضع سياساتهم الإصلاحية موضع التنفيذ، من غسان تويني في وزارة التربية إلى إميل البيطار في وزارة الصحة إلى الياس سابا في وزارة المال”. ويلفت في مسار سابا إلى أنه “عانى خيبة كبيرة عندما اصطدمت محاولته هو أيضاً إصلاح النظام الضريبي بمعارضة كاسرة قادها رجال الأعمال وأصحاب المصالح التجارية”.
ما قصة تلك المعركة؟
في حوار مع الزميلة فيفيان عقيقي في “الأخبار” في آب ٢٠١٩ وقبل شهر ونيف من ١٧ تشرين، روى سابا فصول تلك المعركة، فأشار إلى أنه “قبل الحرب كانت القوّة الاقتصادية متمثّلة بالتّجار الذين كانوا «حيتان المال» في تلك المرحلة”. وأضاف سابا عن مأساته آنذاك: “أذكر في 15 أيلول/سبتمبر من عام 1971 عندما أصدرت المرسوم 1943 الذي يقضي برفع الرسوم الجمركية على 545 سلعة كمالية ولها بديل منتج محلياً، إلّا أن هؤلاء نفّذوا إضراباً وأقفلوا البلد كلّه لمدّة 9 أيّام. ولم يكتفوا بالإضراب، بل ضغطوا على النواب الذين وقّعوا عريضة بثلثي أعضاء المجلس النيابي لفتح دورة استثنائية لإلغاء المرسوم، إلّا أن الرئيس صائب سلام لم يحضر، لم يتجرّأ على مواجهة الناس ولا التجّار وهرب من اتخاذ القرار. قبل أن يجتمع لاحقاً مجلس الوزراء ويلغي المرسوم”.
مسار سابا الذي حاول استكماله مع عودته إلى الحكومة في ٢٠٠٤ وفي ظل ظروف متوتٍّرة نتيجة المواجهة الإميركية – الفرنسية مع السوريين، أوصل إلى وضعه مشروع قانون لضمان الشيخوخة، لكن دهاليز المجلس النيابي كانت كفيلة بإخفاء المشروع في تشرين الثاني ٢٠٠٨ (رشا أبو زكي، “أين اختفى ضمان الشيخوخة”، “الأخبار”، ٢٥ آذار ٢٠٠٩). أما سياساته المالية لتوحيد حسابات الدولة، فقد وصلت كتجربته في السبعينات، إلى حائط مسدود.
رؤيته الإصلاحية جعلته ناقداً دائماً لتشوهات السياسات المالية والإقتصادية في مرحلة التسعينات التي شهدت إغراقاً للبنانيين بالشعارات، ومحاولاً بلورة تصورات بديلة. في مقابلته في “الأخبار” عام ٢٠١٩، وضع الإصبع على الجرح بإشارته إلى مسؤولية المصارف وحيتان المال، موجهاً النقد لسياسة تثبيت سعر الصرف بكلفة عالية. ولم يتردد سابا بوصف سلوك المصارف ب”الزعران” و”اللصوص” والذي يدفع الشعب ثمنه، مستشرفاً الإنهيار القادم.
تبقى سيرة الياس سابا إحدى فصول المعركة القاسية والمستمرة بين النهج الإصلاحي، وبين زمرة المتحكمين بالسلطة المالية والإقتصادية، المنظومة العميقة التي لا تنفك تتحكم بمصير اللبنانيين حتى آخر فلس في جيوبهم…


