ميشال ن. أبو نجم-غريبةٌ هذه المسافة الزمنية التي تفصلُ بين سلوك التيار الوطني الحر وتصرّف منافسيه أو خصومه في السياسة اللبنانية. لا بل عن حلفائه.
هي بالأحرى مسافة مُزدوجة في التحسّس الوطني من أي خطر، والمبادرة الإستراتيجية بدلاً من الكسل السياسي والفكري.
عندما كان النازحون السوريون لا يزالون بالمئات في العام ٢٠١٢، وفي لحظة تشنج لبنانية ارتدت أقنعة مذهبية، بادر التيار الوطني الحر إلى التنبيه من المخاطر الداهمة. المساحة الجغرافية، والموارد الإقتصادية، لا تتحمل انتقال كتلة ديموغرافية هائلة، باتت في ال٢٠٢٣ تتجاوز المليونين. تحركَ العماد ميشال عون، ووزير الخارجية جبران باسيل في كل المحافل العربية والدولية دفاعاً عن قضية لبنان في العبئ الهائل، لكن أيضاً عن حق السوريين في وطنهم ونسيجهم الإجتماعي. لجان أنشئت في داخل “التيار” متخصصة للمتابعة، وآلاف الإقتراحات ومؤتمرات على مستويات محلية ودولية.
مبادرة “التيار” والتحسس الوطني لم يلاقيا صدى، كالعادة في مجتمع لا يلتقط إلا ما يهواه سياسياً وطائفياً. خلفيات “التيار” لم تتناول المسيحيين أو المسلمين، بل جميع اللبنانيين، سواء كانوا في عكار أم بر الياس أم جبل لبنان. الثقل الإجتماعي وتدمير الدولة ووظائفها، ليسا حكراً على طائفة أو منطقة. الرد كانَ سهاماً واتهاماتٍ معلوكة من “عنصرية” لا يمارسها في شكل مقلوب إلا الفوضويون والمنظمات الدولية التي تقتات على مآسي الشعوب والمجتمعات. وزراء وقوى سياسية لوحت بالويل والثبور. كيف لقوة سياسية لبنانية أن تدافع عن حق الوطن بالبقاء، لا بل عن حق السوري بالعيش بكرامة بدلاً من خيمة لجوء؟ مورس أكبر إرهاب إعلامي في حق “التيار” وقيادته. مرتزقة متطوعون والدولارات مغرية. هناك من يرى الوطن في جيبته وحفنة من المال. لكنّ “التيار” من طينة مختلفة، تصلي للشهداء وتعتبر من حروب الماضي وتحويل لبنان ساحة لرهانات الآخرين.
اليوم بدأ البركان اللبناني يَهدُر. لا يحمل أحدٌ النازحين كل فساد منظومة التسعينات ومن ضمنها الأوليغارشية والمصرفيون وحاكمهم، لكن ذلك لا يعني أن العبئ لم يكن هائلاً، أو يجب أن نتفرج على تغيير ديموغرافي ومن ضمنها مجتمع بالغ الخصوبة. والسؤال ليس اليوم تذكيراً أو شماتة من خصوم سياسيين لم يروا في القضية والمعضلة إلا أن طرفاً سياسياً كان سباقاً كالعادة، وبمدة تتخطى العقد الزمني.
هي سلسلة في مبادرات وطنية استباقية، لا بل في “مفرزة استباقية” بقاموس الجهوزية العسكرية.
ما الفرق بين طرح ميشال عون لمؤتمر لبناني داخلي عام ٢٠٠٤ يستبق الإنسحاب السوري، والرد الطفولي الذي واجهه ممن كان يكتفي بسقف “الطائف”، وبين اتهامات “العنصرية” لمن قاتل النظام السوري وصالحه، في اللحظة الوطنية المناسبة فقط لمصلحة لبنان؟
الفرق ليس فقط ١١ عاماً. إنه التميّز لحالة سياسية لبنانية قررت أن تكون وطنية بكل ما للكلمة من معنى، وفي التوقيت الإجتماعي السياسي المناسب…


