نداء الوطن: رمال جوني-
بدو الشارع الجنوبي في حال ترقب. الشلل سيّد المشهد، والانكماش الاقتصادي غير مسبوق. الجميع يتوجّس من الحرب ويعلّق حياته على “توقيتها”. حتى سوق الإثنين الشعبيّة، التي تُعدّ رئة الفقراء، أصابها الشلل والجمود، وتراجعت حركتها بشكل لافت بسبب الخشية من الحرب. ويقول تجّار السوق إنهم لمسوا تراجعًا بنسبة 60 في المئة، وهي نسبة كبيرة مقارنة بالحركة الأسبوعية المعتادة، ويُرجعون السبب إلى الخوف من تصاعد حدّة الأحداث الأمنية، لا سيّما أن الجنوب عاش ليالي عاصفة بالغارات التي هزت القرى كافة.
وينسحب هذا الواقع على مختلف مقوّمات الحياة المعيشية. حتى الدكاكين أصابها شلل نسبيّ، إذ يخشى بعض أصحابها تعبئة محالهم بالبضائع، ويكتفون بالضروريّ جدًا. وتقول صاحبة أحد الدكاكين: “لم أملأ دكاني بالبضائع، أخشى تكرار ما حصل معي في حرب 2024. كنت قد ملأت الرفوف بالبضائع وتركناها وهربنا. لذلك أفضّل عدم تعبئة الدكان إلّا بالقليل، نخشى أن ندخل حربًا في أي لحظة ونريد أن تبقى معنا سيولة”.
وما تعيشه هذه السيدة ينسحب على كثير من أصحاب المحال الذين يترقبون ويتريّثون في أي خطوة، فالتصعيد اليومي يضع الحرب أمام أعينهم.
توازيًا، ما زال أبناء القرى الحدودية يعيشون ويلات النزوح. فقد رفع أبناء بلدة كفركلا الصوت للمرة الثانية رفضًا للتهجير، واعتصموا عند دوّار كفررمان في تحرّك وُصف بأنه تمهيديّ لتحرّكات تصعيدية كبرى. ويقول حسين حمود، أحد شبّان كفركلا: “إن تحرّكنا اليوم مطلبي، نريد من الدولة أن تعيدنا إلى قرانا وأن تفي بوعدها بالعودة”.
وبدا لافتًا أن من نزل إلى الشارع هم الشبان الذين ضاقوا ذرعًا بويلات النزوح. هؤلاء كانوا يعملون ويؤسّسون لمستقبلهم، وكثير منهم كان يملك مصالح ومحال، وكانت كفركلا بلدة ناشطة تجاريًا واقتصاديًا وعمرانيًا. ويقول هؤلاء: “لم نعد نملك شيئًا، نريد أن نعيد تأسيس حياتنا من جديد”.
قد يشكّل تحرّك أبناء كفركلا فاتحة لتحركات تطول أبناء قرى الحافة الأمامية كافة، في سياق تحركات أبناء الضهيرة ويارين، الذين طالبوا بحقهم المشروع في أن يُعاملوا كلبنانيين في هذه القرى. فأبناء الحافة الأمامية ليسوا على الهامش، بل هم بوابة لبنان وقوته وحضارته.


