شربل الجميل-
بدأ الأمر، من بين كل الأمور، بحريق وكحريق. إنه لمنظر معتاد من تلك الشرفة المطلّة على مرفأ بيروت، الذي لطالما عاشر حرمه حرائق سفن ترسو واستعار بضائع مكدّسة.
إنه لمعتاد أيضاً أن ينادي الياس على اخته نور لتأتي وتشاهد معه فوج الإطفاء يهرع لإخماد الحرائق. لكن نيران تلك العشية كانت تشي بما هو مختلف: عنبر بأكمله يحترق، وحلك السحابة المتصاعدة مغاير للدخان المعتاد تراميه. أصوات انفجارات صغيرة تسبق احتفالية الجحيم المُزمع: مفرقعات تتزامن فرقعاتها مع صخب المدينة ما أخفض أصوات تفجرها، لكن المخيّلة المعتمدة لسنوات على النظر قدرت حجمها بالتمام، متماوجة مع أزيز سيارات الأوتوستراد الساحلي الذي ترجّل بعض سائقيها لالتقاط الصور، وهي الغريزة الإجتماعية الروبوتية الأولى المُتطفّلة على ذهن البشرية منذ اليوم الذي أُضيفت فيه كاميرا على هاتف محمول، وليتها لم تتطفّل.
لحظات وتحوّلت شرفة الياس إلى جسر عبور، كجسر الموت الذي واجه مفاعل تشرنوبيل صباح انفجاره وحصد عشرات المتفرّجين على الهواء المتلألىء والمشعّ. ما ذنبه؟ لسنوات وهو يتأمل المغيب على شرفته ويستلهم منه كلمات لموسيقاه، مقتنصاً عناق الشمس والأفق دون أن يهتم ولو قليلاً بعنبر هو قبالته، فكان العنبر هو الذي يشاهده كل هذه المدة، ليقتنصه غدراً وعنوةً على شرفته. لماذا؟ لأن الياس ببساطة لم يكن يعلم. لكن الآخرين المولجين كانوا يعلمون. إنهم الجحيم لأنهم الآخرون.
ثم ماذا بعد؟ ألا تكفي جلجلة الوداع حتى نلتعن بجلجلة التملّص من العقاب وطمس الحقيقة!؟
ما ذنب والدة الياس، التي سقط منها نصفها ولم تلتقطه، لأن عبور الياس كان أم السقطات! ما ذنبها في النوم مع عائلتها تحت قنبلة موقوتة وصلت حتى قبل أن يتناول الياس قربانته الأولى؟ ما ذنبها تحتمل ما تحتمله، قامعة آلام جسدها، وحاملة صورة الياسها تميس بها شوارع عاصمة مهشّمة دامعة، عاتبة على ما فعلها بها هيئة إدارة مرفأ “مؤقتة” منذ عام ١٩٩٣، أي قبل عقد من ولادة الياس، وعلى قضاء لطالما رفض إعطاء الإذن بتصريف حصّادة الموت، وفساد نخر كل ما قابله حتى نخر العنبر ونخر العاصمة ونخر أبناءها وساكنيها.
حزينة وخائبة هي بيروت. بيروت تريد الإعتذار من الياس وذويه وكل من انتقل وجُرح وصُدمت ذاكرته إلى الأبد؛ تريد الإعتذار من كل من وثق بها ليقطن فيها، وهي الضحية هي الأخرى. ما ذنبها؟
في الليتورجية المسيحية، وفي تفسير لاهوتيّ لأسباب انتقال الأولاد قبل ذويهم، يتركّز التفسير على استدعاء الله للأرواح الفتيّة قبل أوانها كيلا يراها تتعذّب وتذوب فتجتاحها التجربة…إنه بالطبع محاولة إجابة على الطرق الغامضة التي يتصرّف بها الخالق، والتي لا يمكن لعقل بشري أن يفقهها، ولا لقلبٍ دنيويّ مجبول بالعاطفة والتعلّق الأسري أن ينبض يقيناً بعدها، فقط يعتمدان على الوقت للتصفيف.
من يراقب تحركات ذوي الضحايا يعلم جيداً أن المسألة مسألة وقت قبل بزوغ فجر الحقيقة. إنهم يحاصرون الجناة والمخبّئين والحامين، ويُحكمون الطوق رويداً رويداً على أولئك الأبالسة. الأفعى في الزاوية، وجلّ ما تستطيع القيام به هو شراء بعض الوقت، نفث قليل من السُمّ….لكن المُحتّم آتٍ، لا محال آتٍ، فالمشنقة تضيق عليها وعلى أبنائها، وعندما تفنى…ستكون قيامة الياس ورفاقه، ومعهم قيامة بيروت ولبنان. القيامة آتية، لا حتماً آتية.


