لبنان الكبير والتعليم الصغير – بقلم شربل خزعل الجميّل

عام ١٩٩٧، أغدقت علينا سلطة ما بعد الطائف منهجاً تعليمياً أقلّ ما يُقال عنه أنه عارٍ من الإستشراف وخالٍ من الرؤيوية.

بعد ربع قرن، ما زلنا مكانك راوح: لا تقدم، لا تغيير، لا تنقيح…لا شيء.

 

كأن قدر لبنان وأجيال لبنان الترنّح الدائم بين المصرف والبنك لإنقاذ مستقبل قطاع وأفق جيل بأكمله: آلاف ساعات العمل صرفها المركز التربوي للبحوث والإنماء لانتشال التربية الوطنية من مستنقع الإجترار، فيما تقبع هبة البنك الدولي في المصرف المركزي من سنوات، هذه المؤسسة الدولية التي أشفقت على حال المناهج اللبنانية المتردية الباعثة على الإعياء، ونصب عينيها تاريخ لبنان التربوي الذي أنقذ الشرق من الجهل مرتين في آخر قرن ونصف سنة بفضل معاهده ومطابعه: مرة من التتريك ومرة من الأميّة.

 

هي حالنا في ظلّ نظام ما بعد ١٣ تشرين: عقول تفكّر وتفنّد، فيما أصحاب القرار المالي والسلطوي يمتنعون عن التنفيذ، تارة تحت حجة “حرية التعليم” وطوراً بتعليل “أزمة كتاب التاريخ الموحّد” ..قِس على هذا القياس خطط الFiber optics والكهرباء وتسليح الجيش وتوسيع البنى التحتية…وأوليست التربية عماد البنى التحتية وقاعدة هرم الأهرام؟!

 

مناهج ال Copy/Paste ما برحت تمتهن الحشو الأرعن و “الدّكّ” العشوائي في عقول نشئه، حتى غدت أجيال بأكملها تكره لغتها، تضحّي بمواهبها الفنية في سبيل علامة على دفتر وتربيتة كتف من معلّم، فتنسى كل ما تعلّمته بُعيد (وليس بعد) الإمتحان.

منهج يقتل الحشرية العلمية، ليملأ فراغها بالتفريغ والتحميل .منهج يقتل المهارات، ليعلّب الجاهز من الأولويات، ويفرض المواد غير المؤثرة على العقول فرضاً أوتوقراطياً.

 

منهج يؤْثِر الحفظ على التحليل، ويُبدّي الآراء الdelivery على إعطاء الرأي الشخصي والمحاججة بصدده.

منهج يُجبر الطالب على الإتباع واللّحاق، بدل ترك الحرية له لتقرير أولوياته! منهج يفرض أجوبة وحلول دون إفساح مجال تتابعيّ للطالب لاستلهامها واستنباطها واكتشاف أخطائه.

 

منهج يوجّه الطالب للإدعاء بعلاماته، بدل التألّق أمام العالم بقدرته الذاتية النابعة من الفكر الحرّ المنطلق. منهج يسجن الإرادة ويدمّر الطموح ويشوّش الرؤية ويختلق العوائق الوهمية.

منهج ديكتاتوري بكل ما للكلمة من مدلول أديي، أخلاقي وحتى سياسي عربي-كوري شمالي!

أمام هذا الإنحدار بدأت كل من إدارات المدارس والأهالي منذ زمن بتدارك الوضع المُهترىء. رغم عدم القدرة على تغيير حرف واحد مما أُنزل مظلّياً عام ١٩٩٧، فتحوا خطاً موازياً للباكالوريا الدولية، بعدما ضاقت عقول الطلاب اللبنانيين بخشبية المنهاج، وضاقت صدور المعلّمين ذرعاً به.

 

في لبنان الجديد المُزمَع، أطلقوا سراح عقول أبنائنا من هذه الأقفاص الصدئة؛ أقفاص الرتابة الممجوجة والخواء الفكري ذو التأثير المدمّر على صحتهم النفسية والذهنية ومعهما الجسدية.

شرُعوا لهم الآفاق ولا تحصروهم. دعوا المعلّم يشارك بتصميم المنهاج مثلما شارك المحامي بقانون أصول المحاكمات الجزائية.

 

البحث يطول وللكلام صلة وتتمة، أما الآن فننهي مرددين عبقرية الشاعر خليل روكز الذي ما برح المنهج الباهت يُمعن بتهميشه:

“يا مخصصين للتربية وعلم الولاد…. وعم تسهروا تا تفيّقوا الجيل الجديد

لا توقفوا بموكب حضارة عالحياد…. وتحرموا الطلاب من بيت القصيد

ولا تخلونا عن الواقع بعاد…. ونرجع لعصر الجاهلية والعبيد”.

You might also like