كتب حبيب البستاني:
غريب أمر الرئيس المكلف فهو علناً يحمل مرسوم التكليف في جيبه وهو لا يقدم على التشكيل ولا يحجم عنه، بل على العكس تماماً فهو يحاول تكبير الحجر حتى لا يتمكن من رفعه لا هو ولا غيره. وهو يتلطى تارة وراء نادي رؤساء الحكومات السابقين وكأن هذا النادي أصبح حائط مبكى يلجأ إليه ابناء الطائفة المقهورين أولئك الذين ينادون ب “غيرة الدين”، على ما يزعمون بأنها حقوقاً مهدورة للطائفة السنية الكريمة، وطوراً بعدم تجاوب الرئاسة مع متطلبات التأليف وهي في الغالب مطالب شخصية أكثر منها متطلبات، متناسين أحكام الدستور لا سيما منها اتفاق الطائف الذي جعل من رئيس الحكومة شريكاً في التأليف مع رئيس الجمهورية، مع شرط إصدار مراسيم التاليف بتوقيع رئيس البلاد.
إنها ليست المرة الأولى التي يلجا إليها رئيس مكلف بل اصبحت من الممارسات المألوفة التي درج عليها عدد كبير من الرؤساء المكلفين السابقين، وهذا عائد إلى عدم وجود مهل زمنية في اتفاق الطائف تحدد مهلة التاليف، علماً أن هذا الأمر معمول به في مختلف أنظمة الحكم الديمقراطي الجمهوري، فيقوم الرئيس المكلف بمحاولة تشكيل الحكومة وإذا فشل فإنه ينسحب فاسحاً المجال أمام شخصية أخرى للقيام بهذا الدور.
لا اعمال ولا تصريف اعمال
في هذا الوقت تزداد المشاكل في البلد وليس آخرها إضراب القطاع العام الذي بدأ في 13 حزيران الماضي وهو دخل شهره الثاني، وقد نتج عنه شللاً في الإدارة العامة ومختلف مؤسسات الدولة، فتوقفت أعمال الجباية والاستحصال على الأوراق الثبوتية وجوازات السفر إلى كل المعاملات الإدارية. كل هذا لم يستدع تدخلاً من رئيس حكومة تصريف الأعمال وكأن شيئاً لم يكن، بل إن الرئيس المكلف يتباهى بأنه رئيس حكومة تصريف أعمال متمتعة بكامل المواصفات وأنه لا داعي للعجلة بالتأليف.
والحقيقة تقال أنه لا توجد أعمال ولا تصريف أعمال وكأن البلاد “سائرة والرب راعيها” والأنكى من كل ذلك أن البعض بات ينتظر الاستحقاق الرئاسي، وأنه لا داعي لوجود حكومة جديدة، مشيعين أن مفتاح الفرج يكمن في انتخاب رئيس جديد يقوم باجتراح المعجزات وحل المشاكل كلها دفعة واحدة.
عن أي رئيس يتكلمون؟
مع مناداة البعض بانتخاب رئيس جديد وهذا ما سيحصل، ولكن ليس قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي للجمهورية، ففخامته لن يغادر القصر الرئاسي قبل منتصف ليل 31 تشرين الأول 2022 تاريخ انتهاء الولاية، كما أن فخامته مصر على المغادرة، وهو يفضل ان يغادر مع تسليم الأمانة لرئيس جديد منتخب.
ولكن إلى هذا التاريخ ماذا نفعل؟ وهل الاستحقاقات من ترسيم وحلول لمشاكل الإضرابات وللأزمة المالية الاقتصادية وللأزمة المعيشية المتفاقمة يمكن وضعها في ثلاجة الانتظار إلى تشرين؟
وإذا سلمنا جدلاً أن كل هذا ممكن وان المن والسلوى ستاتي إلى أفواه اللبنانيين بدون تعب أو منة من أحد، فهل يحمل الرئيس المقبل عصاً سحرية تحول المشاكل إلى حلول وتحول الأزمات إلى فرص، ربما قد تناسى البعض أو أنه يريد عن قصد غش اللبنانيين من طريق إيهامهم أن رئيساً بدون صلاحيات يمكنه اجتراح المعجزات؟
لقد استعمل فخامة الرئيس صلاحياته كاملة وعلى أكمل وجه، وربما هذا ما أثار حفيظة البعض الذي راح ينادي علناً بضرورة وجود رئيس ضعيف يدير الأزمة ولا يسعى إلى حلها، فإيجابية الرئيس عون تبقى أنه حاول حل الأزمات المتلاحقة وهو قد استطاع حل الكثير منها، فوضع قانوناً جديداً عصرياً للانتخابات النيابية ساهم في إيصال كل أطياف المجتمع إلى البرلمان، وكذلك طالب بالتدقيق الجنائي المحاسبي التي بدات بشائره بالظهور، وكذلك استطاع تجنيب البلاد أخطار الإرهاب والحروب الداخلية التي حاول الجميع إشعالها، ناهيك عن بدء التنقيب عن النفط ووضع الترسيم على سكة التنفيذ، والبدء ببناء السدود رغم العراقيل، والمطالبة بعودة النازحين، إلى ما هنالك من إنجازات كثيرة وكبيرة لا مجال إلى تعدادها.
إن أي رئيس مستقبلي للبنان لا يمكنه التراجع عن كل هذه الإنجازات، وبالتالي لا يمكنه التنازل لا للغريب ولا للقريب طمعاً في إرضاء هذا المحور أو ذاك. وبالتالي فإن العقدة ليست بالرئيس وبشخص الرئيس بل بالصلاحيات الواجب تزويده بها ليكون الحاكم والحكم، عندها يستقيم الحكم وتستقيم الدولة.


