تلفّ المسار الرئاسي حركة متسارعة نسبياً على الخطين الإقليمي والدولي، من دون الجزم في أنَّها ستتمكن بسرعة من تجاوز الرهانات الداخلية، والأحاديث المتكررة عن ضمانات لهذا الفريق أو ذاك، وصولاً إلى التلويح بتغيير النظام على قاعدة صرف فائض القوة في رئاسة الجمهورية، والسلطة التنفيذية ككل.
ففي وقت تنتظر القوى اللبنانية المعتادة بغالبيتها على حكم القناصل جولة جان إيف لودريان، لتبين المقترحات التي سيحملها، لفتت زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الخاطفة إلى قطر والتي التقى فيها مسؤولين قطريين متابعين لملف الرئاسة في لبنان، من دون أن ترشح تفاصيل إضافية.
وفي وقت يعلم الجميع محدودية الحجم اللبناني في بازار المفاوضات بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة، والتي تنعكس في التحليلات الهمايونية للأبواق الإعلامية، فإن صياغة المشهد الجديد في الشرق الأوسط، هو ما سيرسم مستقبل المنطقة ومنها لبنان في المرحلة المقبلة. فإلى جانب العلاقات السعودية – الإيرانية المتقدمة وسط حقول الألغام من اليمن إلى المشرق، يخطف الأنظار الإتجاه الأميركي إلى تهدئة التوتر مع إيران وإعادة الحرارة إلى الملف النووي. ذلك أن الحركة الأميركية في اتجاه طهران تأتي من ضمن السعي لاحتواء الهجمة الصينية على الشرق الأوسط ومن البوابتين السعودية والإيرانية، وبالتالي تحييد إيران عن الفلك الصيني، وهي التي لطالما كانت قبل الثورة الإسلامية الحليفة الوثيقة لأميركا في مقابل الدول العربية.
في هذا الوقت، انعقدت جلسة التشريع اليوم التي أقرت زيادة رواتب القطاع العام، وسط تصويب من نواب القوات اللبنانية والمعارضة على انعقاد الجلسات في الوقت الذي من المفروض أن يبقى فيه المجلس هيئة ناخبة رئاسياً. وقد صوّب تكتل “لبنان القوي” بوصلة التعاطي مع جلسات بالغة التأثير على حياة المواطنين، مؤكداً أن مشاركته اليوم تأتي “انسجاماً مع القاعدة التي اعتمدها بحصر مشاركته في تشريع المسائل الضرورية والتي تتعلّق بمصلحة الدولة العليا او بالقوّة القاهرة على ألا يتم التوسّع بهذا التفسير”.
ولم ينسَ “التكتل” الإشارة إلى ضرورة تصويب البوصلة في اتجاه جلسات حكومة تصريف الأعمال المستقيلة، مذكراً القوى النيابية المعارضة، وبلهجة هادئة أعلن فيها تفهم موقفها من الجلسات التشريعية، ب”ضرورة حصول انسجام وتطابق في الموقف من الحكومة والمجلس النيابي” لأن “حكومة تصريف اعمال فاقدة للشرعية “وللثقة النيابية والشعبية” على حد وصفها من قبل الكتل المقاطعة”. وأضاف “لبنان القوي” في بيانه: “كيف يمكن السكوت عن اصدارها ما يزيد عن 600 من القرارات الاستثنائية والعادية والمراسيم غير الشرعية والدستورية في غضون 8 اشهر”؟!
على خط آخر، استحضر البطريرك بشارة الراعي موقفه من الحياد، مشيراً في حفل إطلاق كتاب “لبنان الكبير – المئوية الأولى”، إلى أن “لبنان بدأ يخسر حياده منذ سنة 1969 بتوقيعه على “إتفاق القاهرة” الذي سمحَ للمنظَّمات الفلسطينيَّة القيامَ بأعمال عسكريَّة ضدَّ إسرائيل انطلاقًا من الجنوب “، ولفت إلى سلسلة المنعطفات المتتالية من احتلال “إسرائيل جنوب لبنان وسيطرت المنظَّمات الفلسطينيَّة على الجزء الباقي وصولًا إلى وسط بيروت ودخول القوَّات السُّوريَّة ونشوء حزب الله الذي اعتبره “حاملًا مشروع الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة بأوجهه الدِّينيّة والعسكريّة والثَّقافية”.
لكن البطريرك أكد في المقابل معادلة القوة مع تشديده على أن لبنان “يحتاج إلى قوّات عسكريّة قادرة على فرض الأمن في الداخل، وحماية حدود الدولة، والتصدي بقواها الذاتيّة لكلّ اعتداء يأتيها من الخارج”.


