شكراً للمنتشرين (حبيب البستاني)

بسحر ساحر تحول صيف لبنان ومصايف لبنان وشواطئه إلى جنة عدن، أكثر من أربعة ملايين منتشر ومغترب وسائح أموا ربوع الوطن اي بزيادة أكثر من 20% عن اي موسم آخر. جاؤوا من اربع اقاصي الدنيا، من أستراليا القارة البعيدة والأميركيتين واوروبا وافريقيا والدول العربية، أتوا غير عابئين بفرامانات المنع والتحذير التي أطلقتها بعض السفارات وأوكار المخابرات، وذلك في حملة مبرمجة ضد وطن الأرز شارك فيها ويا للأسف بعض الإعلام المحلي المرتشي الذي كان يبث سمومه عن أحوال لبنان العاطلة، لا بل أن بعضهم راح يبشر بصيف حار وبرياح قد تأتي من الجنوب والداخل التي قد تنعكس عدم استقرار ومشاكل على اللبنانيين. جاء اللبنانيون المنتشرون مُتحَدين كل ذلك، يشدهم الشوق والحنين إلى وطن الأرز وإلى أهل وأقارب ما زالوا يعيشون في ربوع الوطن. وكان الوطن عند حسن ظنهم وفتح لهم الأهل والأقارب صدورهم والمنازل، فضاقت بهم المنازل والفنادق والشاليهات حتى أنه لم يبقَ منزل واحد أو شقة فارغة، ولم تبقَ سيارة واحدة للإيجار.
 
الأعجوبة اللبنانية
إنها وبكل بساطة الأعجوبة اللبنانية، التي جعلت من المستحيل ممكناً، فبعد الغياب الطويل بفعل جائحة الكوفيد، جاء مغتربونا وهم غير مصدقين ما يرونه بأم العين من أن وطنهم لم يزل بخير، وأن أهله وبالرغم من المعاناة وظلف العيش، ما زالوا محافظين على كرمهم وضيافتهم والأصالة اللبنانية التي ميزت لبنان وميزت أهله على مر الزمان وفي مختلف المحن والظروف. لقد عاين الوافدون أن الموائد العامرة  التي أقيمت لهم كانت تحوي على كل ما يملكه الأهل والأصحاب، فالمشروبات الفاخرة كانت موجودة خصيصاً  لهم إلى ما هنالك من أطباق غنية التي اشتاقت لها البيوتات اللبنانية.
 
استوعب المنتشرون بسرعة لما يحدث من حواليهم مما زادهم قناعة أنه لا بد من مد يد العون للأهل والأقارب والأصحاب، ليس هذا فحسب بل إن الوافدين استوقفهم تغير عادات أهل المنزل فالوالد قد استعاض عن مشروبه الشهير بواحد لا إسم له ولا شهرة، حتى أن سجائره فقد استبدلها بأنواع مش ولا بد، ووجدوا أن الوالدة تستعمل مساحيق غسيل وجلي مزيفة مما انعكس سلباً على حالة يديها. والأنكى من كل ذلك فإنهم اكتشفوا الحالة الصحية المزرية التي يعيشها أهاليهم فتدهورت صحتهم وفوجئوا عند زيارتهم لطبيب العائلة أن أهل البيت لم يقوموا بزيارته وإجراء الفحوصات الضرورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، وذلك لتوقف تغطية الصناديق والمؤسسات الضامنة ولغلاء الطبابة والأدوية.
أمام كل ذلك لم يكن أمام المنتشرين من حل إلا المساعدة فهموا  بالذهاب إلى المحلات لتجهيز المنازل بكل حاجياتها وإعادة كل شيء إلى سابق عهده، فعادت اللحوم والدجاج إلى الثلاجات وعادت الأصناف الفاخرة إلى المطابخ وكل ما كان قائماً إلى سابق عهده.
 
المنتشرون اعادوا للوطن جماله
بفضل اللبنانيين المنتشرين عاد لبنان ليحتل صدارة العالم من ناحية الفن والجمال، فامتلأت مدرجات الحفلات من بيت الدين إلى البترون إلى بعلبك، إلى بيروت ست الدنيا التي شهدت اكبر مهرجان غنائي راقي ليس في لبنان فحسب بل وفي كل العالم العربي. عادت بيروت لتكون ليس فقط عاصمة الإعلام العربي إنما أيضاً عاصمة الفن العربي والشرق اوسطي.
 
لقد أنار المنتشرون ليس فقط البيوت والقرى والمرابع بوجودهم، إنما أيضاً وهذا هو الأهم فقد أعادوا للبلد رونقه ومكانته وأظهروا انهم فعلاً لا قولاً يشكلون الجناح الثاني للبنان والذي بدونه لا يمكن أن يبقى لنا وطن نعتز به ونفتخر بانتمائنا إليه. شكراً من القلب لكل المنتشرين.
كاتب سياسي*

You might also like