فخامة الرّئيس،
تحيّة قلبيّة عميقة ملؤها المحبّة الصّادقة اللاّمتناهية لشخصكم الهادر بالحقّ والأمل على الرّغم من من سوداويّة الأيّام.
تعود بي الأيّام إلى مثل هذه الفترة من العام 2017 حين أرسلت لكم رسالةً شفّافةً، مع كتابي الشّعريّ المتواضع، عبّرت لكم فيها عن عمق محبّتي وكامل احترامي وفخري لوجودي في عصركم. وها أنا، بينما أعود اليوم إلى تلك اللّحظة، تخنقني الفرحة مجدّدًا وتتسارع دقّات قلبي لتلك الدّقائق ال “17.د” حين التقى كفّي بكفّكم بذلك السّلام الأبويّ وانسحبت إلى كياني ارتياحًا غير مسبوق وغير موصوف.
كيف لا يتملّكني هذا الشّعور غير الموصوف ولا ينسحب إيجابًا في داخلي وأنا كنت، تلك اللّحظة، في حضرتكم؟ ومن حضرتكم؟ فبمَ يغنيني حضوري أمامكم؟ مهما تعمّقت في الكلمات فلن أفيَكم حقّكم بالتّكريم.
حضوركم وطن، جبينكم قِمم، نظرتكم أمل وقلبكم أرض معطاء.
فخامة الرّئيس، مذ كنتم في عداد جيش الوطن، كنتم مُتميّزين بالرّصانة والمحبّة والقدوة والوطنيّة. وهذا غيض من فيض ما يصفكم به من عرفكم أو من كنتم له قائدًا.
وبعد الجنديّة، أكملتم المسيرة بوصولكم إلى قيادة الجيش، فأصبح للبذلة العسكريّة رائحة مختلفة. رائحة الأمن والأمان. كما ارتقت قيمتها لأنّ الجيش والمواطن أصبحا، تحت قيادتكم، صنوين لقيامة الوطن.
ومن خلال قيادتكم الحكيمة في تلك المرحلة، سعيتم بحزمٍ لإكمال بناء الوطن بعد عصف الاحتلال الخارجيّ ظاهرًا، الدّاخليّ باطنًا. لقد استشعر كلّ لبنانيّ في تلك الفترة بغيرتكم الوطنيّة، ورأى فيكم الآتي على حصان الحرّيّة والسّيادة والاستقلال. رأى فيكم الوطن.
لكنّ الانتصار أثمانه، في بعض الأحيان، باهظةٌ. فكثر الأعداء وتهاوى الضّعفاء وأصبح الوطن عبئًا على بعضهم، ومن كان يُفترض بهم أن يمثّلوه رهنوا ضمائرهم وباعوا وطنيّتهم بالرّخيص.
لكنّكم لم تخذلونا يومها، فحاربتم ودافعتم حتّى الرّمق الأخير وبالنّسبة إلينا انتصرتم، فالسّعي أحيانًا يوازي تحقيق الهدف. حاولوا سحقكم وما استطاعوا ولم يتشرّفوا بتوقيعكم الثّمين لبيع الوطن والرّئاسة والحقوق. أفاضوا في التّنكيل بالأرض والنّاس وخنقوا شعبكم، ولكن، لأنّكم من الشّعب انبثقتم، وهو عليكم اتّكل ومنكم أمل وسلّم الرّوح والقلب، رضيتم بتبديل بعض الأوراق وترك بعضها الآخر للمراحل اللاّحقة. قبلتم عندها، وفي تلك الظّروف القاهرة، بفكّ تواجدكم في الوطن لا بفكّ تعلّقكم بالوطن وذلك حقنًا للدّماء.
ولا أنسى، ولا ننسى جميعًا تلك المراحل الطّويلة من النّضال وأنتم في المنفى. لقد كانت كلمة واحدة نسمعها أو نقرأها منكم نهزّ لفعلها في نفوسنا الأرض تحت أقدامنا في الوطن. لقد كانت كلماتكم سلاحًا فتّاكًا تحمّلنا لأجله كلّ أنواع الإقصاء، وكلّ ذلك لأجل لبنان والقضيّة، ولأجلكم أنتم.
آمنتم بنا في كلّ لحظة من تلك المسيرة الطّويلة، فثبتنا على رجائنا وثقتنا بكم وبأنّه لا بدّ لما نقاسيه أن يُزهر حرّيّةً.
وطالت الفترة في المنفى إلاّ أنّنا لم نفقد الأمل بعودتكم ” عودة الوطن إلى الوطن”.
وكانت العودة في العام 2005، عودة أعادت لنا الرّوح، ونغمات قلوبنا رقصت لها فرحًا. لقد عدتم في ذلك الشهر المجيد شهر نوّار الّذي لم يُزهر في تاريخه كما أزهر يومها.
اجتمع في 7 الانتصار الأيّاريّ الكبير الشّعب العظيم، كما سمّيته دائمًا، للقائكم بذلك الهتاف الّذي شكّل لنا فعل إيمان ” الله، لبنان، عون وبس”. عاد صدى صوتكم يصدح من الرّابية، أيّها الجنرال العنيد والقائد الوفيّ لوطنه وشعبه، كما عادت قلوبنا تهتف نضالاً وأقدامنا تزلزل الأرض.
عدتم معزّزين مُكرّمين ومحبّة الشّعب لكم كانت لا تزال كما هي. بينما، في المقلب الآخر، كانت تتراقص فرائص كلّ من أدّى دور الشّيطان في ال 90، فزحفوا إلى دارتكم يسترضونكم ويستعطفونكم مُحاولين التّخفيف من فعل خيانتهم. لكنّكم كِلتم لكلّ من يستحقّ الكيل مكيالين وما نسيتم عارهم. لكنّكم أيضًا، كما يُشهد لكم، لم تنسوا الأوفياء الّذين كانت مكافأتهم العظيمة أنّهم استمرّوا معكم في مسيرة استعادة الوطن من مُغتصبيه والعمل على بنائه مجدّدًا.
في هذه المرحلة، اخترنا معكم نضالاً من نوعٍ آخر: نضالًا على الأرض ونضالًا من خلال المطالبة بالحقوق ولم نكلّ ولم نتعب ولم نستسلم. ووصلنا معًا إلى تشرين الأوّل 2016: خريف الفصول ربيع الوطن. تلك اللّحظة الّتي أردناها منذ زمن لأنّنا كنّا ندرك أنّه بوجودكم وحدكم سنبني وطن أحلامنا.
إنّكم الآن الرّئيس الّذي لا قالب يشبه قالبه، ولن يأتي من يُشابهه في العناد، فانتفضت الشّياطين من قبورها وعاث صغيرو النّفوس والمخادعون في البلد خرابًا من كلّ الأنواع.
حمّلوكم مصائب لبنان منذ نشأته، عيّروكم بتخاذلهم هم وأفاضوا في السّباب والشّتائم. اعتقدوا بأنّهم سيحطّمونكم ولكنّهم لا يُدركون أنّ الخير لا يُمَسّ وأنّ وجودكم كلّ الخير.
كم وكم من الأشخاص ما استطاعوا الصّمود معكم وتهاوَوا عند أوّل رشوةٍ لضمائرهم. شكّكوا، خانوا، انسحبوا، ومن كان معكم بالأصل لغاية في نفس يعقوب انقلب عليكم ونسيَ أنّكم من رفعتموه، فانكفأ وانطفأ.
إلاّ نحن جنرال، أبناءك أيّها “البيّ” الأعظم الّذي لا يتكرّر، فقد رافقناكم منذ لحظة فتحتم لنا “بيت الشّعب” للمرّة الثّانية واستمرَرْنا طوال السّنوات الستّ وسنستمرّ. رافقناكم وتغلّبنا بتوجيهاتكم على كلّ ظلمٍ وقسوةٍ ومحنةٍ تعرّضتم وتعرّضنا لها لأنّنا “نحن والحقّ أكثريّة”.
لن نُخفي عليكم أنّنا حاولنا أن نكون “ضمانة بعضنا البعض” كما أوصيتمونا وأنّ بعضنا خذلكم. نتأسّف لكم للجرح الّذي سبّبه ذلك لقلبكم النّقيّ المحبّ، ونعتذر إليكم ونستسمحكم لأنّنا أحيانًا نسينا عهدنا وتفرّدنا بآرائنا.
لقد كنتم لنا القدوة منذ التّسعينيّات ولا تزالون. لم تنكسروا يومًا ولم تتعبوا ولم تتراجعوا. “جنرال” كونوا على ثقة أنّنا لم نُشكّك لحظةً بأدائكم أو بخططكم وتطلّعاتكم أو بعمليّة بنائكم الدّولة. لم تُخدَش هالتكم يومًا أمام أعيننا، ولم ولن نندم ثانية على خيارنا بأن نكون معكم وبأن تكونوا “قائدنا”.
فخامة الرّئيس، جنرال (لقبنا الأحبّ)، لا تعتقدوا يومًا أنّنا تمنّينا غيركم رئيسًا للبلاد، ولا يتملّككم يومًا شعورٌ بالذّنب أنّكم لم تستطيعوا تحقيق ما وعدتمونا به. لقد حقّقتم الكثير، ويكفينا شرفًا سعيكم الدّؤوب للعمل لمصلحة الوطن على الرغم من من العراقيل. بمسيرتكم تلك، كشفتم لمن كان مُعَمّى القلب من المتسبّب بكلّ الأزمات في الوطن على مرّ السّنوات وهذا إنجاز بحدّ ذاته.
لقد حقّقتم ما لن تستطيعه يومًا دول مُجتمعةٌ لأنّكم حاربتم فسادًا متفشّيًا ومشرّعًا وما سلّمتم توقيعكم: دحرُ الإرهابيّين خارج الحدود، التّدقيق الجنائيّ ومعرفة من سرق وهرّب أموال النّاس، ترسيم الحدود البحريّة واكتشاف الخرائط المخفيّة حول وجود الغاز بالإضافة إلى عملكم الدّؤوب منذ تسلّمتم الرّئاسة لاستخراجه. وها قد تحقّق الأمر وبإصراركم سنحصل على حدودنا وحقوقنا البحريّة كاملةً.
أنتم لم تفشلوا أبدًا كما شيّعوا ويشيّعون. هم فقط أرادوا تصوير فشل غير موجود لتغطية عوراتهم. وهم لا يعلمون أنّه أحيانًا يكفي نور خفيف كي يُخفيَ ظلمة حالكة وأنتم، بمشاريع كثيرة ومواقف مشرّفة كنتم هذا النّور. لقد أراد خونة الوطن إظهار عجزكم فاستقوَوا للأسف على القضاء وطوّعوه لمصالحهم على الرغم من أنّكم طالبتم بتحييده، ودعوتم القضاة للعمل الجدّيّ لإرساء العدل تحت غطاء حمايتكم ولكن، للأسف، بعضهم خرّب ميزان العدل لديه فتفاقم اللاّعدل عنده.
أمّا نحن، فكنّا ولا نزال على ثقتنا التّامّة بكم، فحيث ستكونون سترتفع جبال، ستصمد أرزات بوجه العواصف وستسطع شمس الحقيقة. فكم من حقيقة كنّا نجهلها ووحدكم أخرجتموها إلى العلن وعملتم لتحقيقها.
فخامة الرّئيس، “بيّي”، اليوم حين كنت في حضرتكم تداخلت الأحاسيس بالأفكار وعجزت شفتاي عن النّطق لأنّ الكلام في حضرتكم يصوم. وكما قلتم مؤخّرًا، من يحبّكم ولا يُقاربكم لمصلحة يزوركم في آخر أيّام عهدكم كما في أوّله. وأنا قد زرتكم في بداية العهد، وما بين البداية والنّهاية زيارة دائمة لكم، بالعقل والرّوح والقلب، مع كلّ إطلالةٍ لكم وكلّ رسالةٍ منكم لنا.
لكم من قلبي الصّغير منتهى الحبّ والفخر والاعتزاز، وأعاهدكم أن تبقى روحكم النّقيّة منارة لنا حيثما كان موقعكم.
رسالة إلى الفخامة!! (بقلم جومانا ناهض)


