دخل البلد مرحلة المهل الدستوزية لانتخاب رئيسٍ للجمهورية العتيدة. ممّا فسح في المجال “لتفريخ” لجانٍ فاحصة للمرشح الرئاسي ودفتر مواصفات عديدة يجب توافرها في الراغب للسكن في قصر بعبدا مدة ٦ سنوات.
الطريف في الأمر ان من يجهد لطرح دفاتر الشروط هو نفسه من يحتاج الى فحص دوري في المناقبية والاخلاق السياسية والعامة خصوصاً بعد ان راينا من بين اعضاء اللجان الفاحصة من كانوا في دفة سياسية معينة وانتقلو بسحر ساحر الى ضفة اخرى دون موجب او تعليل للأسباب المقنعة غير المصالح الشخصية الآنية والمستقبلية.
التعامل مع هذا الاستحقاق يبدو مملاً وهجيناً، وطرح الموضوع بهذه الخفّة من ايٍ كان على الاعلام يجعل منه موضع تسلية وملهاة تؤثر في قيمة المركز المعنوية والوطنية خصوصاً حين يُسمح لمن هبَّ ودبَّ من “اللي بيسوى واللي ما بيسوى” اعطاء رأيه وطروحاته وشروطه وكأنه ارفع شاناً من اي مرشح مفترض لهذا الموقع، سيّما واننا نشهد في المقابل صمت جماعي مع استحقاقين مماثلين لرئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب تمّر من دون عراضات او فصاحات او دفاتر شروط او لجان فاحصة للمرشحين ان لجهة شخصية الرئيس او لوطنيته او لهضامته او للكاريزما الخاصة به.
على اهمية هذا الاستحقاق ودوره في الحياة السياسية ومع الاراء التي تنادي في ان يكون الرئيس حَكَماً وممثلاً لجميع اللبنانيين دون استثناء. اسأل الا يعتبر هؤلاء ان الحَكَم بحاجة الى ادوات ومواد تساعده في الحُكمِ كي يصبح اكثر كفوءةً وفعاليةً وصلابةً بدل ان نقيّده بصلاحية مشوبة بالغموض والتفسيرات ومرتبطة دوماً برأس السلطة الاخرى مما يزيد الالتباس والعرقلة اكثر بين المكونين.؟ الغيارى على موقع الرئاسة الاولى واشتراطها شروط الجمع واللمّ والالفة، الا يعون ان شاغل هذا الموقع يجب ان يتمتع او يستحصل علىى تقنية دستورية وقانونية تجيز له استخدام جدول الجمع والطرح والقسمة عند الحاجة.؟
فهل حين طالب رئيس الجمهورية ميشال عون ان يجمع على طاولة الحوار في بعبدا جميع الاطراف للتشاور لمقاربة الملفات الشائكة في البلد هل لبَّ من يفترض انهم مسؤولين رغبة الرئيس الى الجمع ام شهروا في وجهه جدولة الطرح والقسمة والرفض.؟ مما يعني ان المرشح لهذا الموقع ليس وحده من يجب ان يكون جامعاً وغير مفرقاً.
مأساة الوطن تتفاقم والمسؤولين لا زالوا عاجزين عن ايجاد الحلول، والأنكى ان يكون كل استحقاق هام في الوطن مشروع فتنة وخلاف بين مكوناته كافةً وكأننا لم نتعظ من الحرب الاهلية التي عانينا منها سنوات طويلة دماراً وقتلاً. قال عنها يوماً ميشال ابو جوده: “ان الحرب في لبنان عملية انتحارية لن يستفيد منها احد”.
وعليه القول: ان الجلوس الى طاولة حوار لبنانية صرف هي حاجة ملّحة وضرورية لتصحيح الخطايا في اتفاق الطائف، فلا يجوز دائماً اعتبار من ينادي بتصحيح اي خللٍ فيه هو خائن او عميل او طائفي. بل على العكس هو الحريص والصادق على توضيح كل التباس او سوء فهم للنصوص والقوانين التي وجدت اصلاً لخدمة الشعب وليس العكس.
التهويل الدائم ان اي طرح للموضوع سيكون على حساب المسيحيين، مخافة ان يُنتزع منهم ما يملكون ولو على قلته، وهذا بالفعل شيء مستغرب ان يتم الترويج له فاذا كانت النوايا جيدة والعيش المشترك حقيقي وصادق، فلماذا لا يكون هذا العقد الجديد منقّحاً بالعدل والمساواة بين جميع الطوائف وليس مناسبة للانقضاض الواحد على الآخر.
حبذاً لو يأتي اليوم الذي يتعافى هذا البلد من عقلية التحجّر والتناحر في الوقت نفسه مع تعافيه من الازمة المالية والاقتصادية الخانقة.


